حلم الأمومة – قصة زوجة حرمها القدر من الإنجاب فكفلت طفل في منزلها

الخميس ٢١ مارس ٢٠١٩                 ــــ كتبت رضوي حسني

تم تغيير الإسم والمدينة حفاظا علي خصوصية صاحبة القصة 

Parent_Ambassadors_Rotator
الصورة نقلا من الانترنت

هل الأم هي التي تُنجب أم التي تُربِّي؟ وهل يمكن لسيدة حرمها القدر من نعمة الإنجاب أن تعوض غريزة الامومة وتقدم الرعاية والحنان لطفل لم تنجبه، بنفس القوة التي تقدمها الأم البيولوجية؟ هذه الأسئلة وغيرها تطرح نفسها بقوة في أذهان الكثيرين منا، ولكن نظرا لحساسية هذا الموضوع، ظل لفترة طويلة من التابوهات الاجتماعية، لعدم القدرة علي الخوض في تفاصيله مع سيدات حرمهم القدر من نعمة الانجاب.

وقد شاهد المجتمع في السنوات الأخيرة تغيير إيجابي في النظرة للأطفال الأيتام وكذلك لم تعد حساسية الموضوع أو التخوف من نظره المجتمع والتي ترسخت في أذهان الكثيرين بسبب الأفلام والمسلسلات التي عالجت هذا الموضوع بشكل سلبي، تقف عائقا أمام الكثيرين من الأزواج الذي حرموا من نعمة الانجاب من كفالة أطفال في بيوتهم.

ليلى السعيد*، ٤٣ عاما، ربة منزل في مدينة بورسعيد، بعد زواجها بعدة أشهر ومع تأخر الحمل، لجأت الي الطبيب لتبدأ رحلة قصيرة مع الاستشارات والتحاليل لتتأكد من سلامة صحتها الإنجابية، وبعد ظهور نتائج تحليلاتها، فجأها الطبيب بطلب بعض التحاليل الذكورية لزوجها والذي يبلغ من العمر ٤٩ عاما، ليكتشفا بعدها ان زوجها “لن يمكنه الإنجاب أبدا”. هكذا قال الطب كلمته والقدر أيضا.

و تتذكر ليلي هذا الموقف قائلة، “كانت هذه هي أول مرة أري زوجي يبكي، مما أثار دموعي أنا أيضا، فأشفقت عليه وأحسست بشعور الأمومة نحوه، و دعوت الله أن نعبر هذه المحنة بخير.”. وقد عرض عليها زوجها بعد ذلك الإنفصال عنه حتى لا تكون علته سبباً في حرمانها من الأمومة، إلا أنها رفضت تماما وعزمت على أن يكملا حياتهما سوياً لأن ما زوجها به كل المميزات التي تجعله زوجا مثاليا، وما بينهما من حب و إحترام أقوى من هذه الأزمة العائلية. كذلك رأت ليلى في الإنفصال تخلي عن زوجها بسبب لا ذنب له فيه، كما أنها لم تُعاني من أي ضغط إجتماعي من قبل أهلها لإجبارها على الإنفصال. و مع الوقت أُلهمت ليلى بكفالة طفل يتيم ليخفف عنهما وطأة هذه المحنة عليهما.

تخوف زوجها في البداية من هذه الفكرة الغريبة، و دارت أسئلة كثيرة في ذهنه، منها تشككه في حبه لطفل لم ينجبه من صلبه، لكنه في نهاية الأمر وافقها. وبعد اتخاذ القرار، أنجز الزوجان الإجراءات المطلوبة بسرعة، لينضم ابنهما الجديد إلى عائلته الصغيرة. وبارك أهلهما وأقربائهما هذا القرار، ووجدوا فيه الحل الأمثل لتعزيز نجاح هذه العلاقة الزوجية.

و بعد عدة عدة شهور من إتمامهما الإجراءات الرسمية المطلوبة لكفالة الطفل بمقر مصلحة التضامن الاجتماعي، أُرسلت المصلحة لجنة من القاهرة الي بورسعيد حيث يقيم الزوجين، لتقصي ومعاينة لحالة العائلة، للبت في أهليتها و أحقيتها في كفالة الطفل. وعلي عكس ما توقع الزوجان، كانت الاجرات أكثر صعوبة مما تخيلوه في بداية الأمر. وعندما حان ميعاد اليوم الموعود للذهاب الي دار رعاية الأيتام لكفالة أحد الأطفال، داهم ليلي الشعور بالخوف والقلق، “كنت أتمنى أن يكون لي ابنة، و لكن عندما شاهدته نائماً جذبتني ملامحه، فحملته بين يدي، وفتح عينيه وتطلع إلى، فبكيت و شعرت بمشاعر جديدة علي لم أكن أعرفها من قبل؛ شعرت و كأني أمه، وكان عمره حينها  شهراً و ثلاثة أسابيع فقط. وفرح به زوجي جدا، وأحس أن الطفل يشبهه في ملامحه تاماً و كأنه توأمه”.

بعد استلام الطفل، سافرت ليلي هي وزوجها وإبنهما الي القاهرة حيث دار الأورمان، لتطعيم الطفل وليحصلا منه على جهاز يساعد على رضاعته، كذلك تضمنت الزيارة إستشارة أحد أطباء الأطفال للإطمئنان على حالة الرضيع الصحية، ولتوفير ما يحتاجه من مكملات وعناصر غذائية تساعد في نمو جسمه، وبعدها ذهبت لليلي للتسوق للصغير أغراضه وملابسه وكافه إحتياجات رضيع في سنه، وعادا بالطفل الي منزل عائلتهما في بورسعيد ليتعرف أفرادها علي أصغر عضو بها.

إبن ليلي يبلغ الآن عشر سنوات، وهو مطيع جدا بوصف والدته، و محبوب من كافة أفراد العائلة، كما أنه متفوق جداً في دراسته، ويمارس السباحة و كرة القدم، و يواظب على حضور تمارينه الرياضية بشكل يومي. و لأن من الطبيعي و حفاظاً على صحة الطفل النفسية أن يعرف حقيقة الأمر في الوقت المناسب، تبعاً لما يسمح به الطبيب النفسي، فقد لجأ الوالدان للعديد من المتخصصين والإستشاريين في هذا المجال للعمل على تهيئة الطفل نفسياً قبل إخباره بالحقيقة، و قد استغرقت فترة الإعداد النفسي للطفل حوالي العامين، وبالفعل تم بعدها إعلام الطفل بالحقيقة و لكن ليس بشكل كامل – كما أوصى الطبيب الأهل – فكل ما يعرفه الطفل عن حياته هو أنه ليس الابن الحقيقي لوالديه بل هو ابناً لصديقيهما اللذين لقيا مصرعيهما إثر حادث أليم، و لأن ليلى و زوجها كانا هما الأقرب إليهما، فقاما بكفالته، وتربيته عوضاً عنهما.

ليلى لا تسمح لأي شخص كان أن يجرح إحساس طفلها الصغير، أو يؤذي مشاعره الصغيرة. فهي تحيطه بالرعاية والإهتمام الدائم، و تبعد عنه كل ما يمكن أن يتسبب في حدوث أي أذى له، حتى أنها تُبعده عن مسؤولي الرعاية عندما يأتون لزيارته و الإطمئنان على أحواله بين عائلته الجديدة من حين إلى آخر. وقد رفعت ليلي وزوجها دعوة قضائية لتغيير اسم الطفل الأول باسم آخر تُفضله، و كذلك الاسم الثاني ليكون اسم زوجها، حتى لا يشعر الطفل بحرج عند ذهابه إلى المدرسة، و حفاظاً من والديه على مشاعره بين زملائه، و قد حُكمت دعوة تغيير الإسم لصالحهما، وتم ذلك بعد الحصول على موافقة من دار الإفتاء بالأزهر الشريف.

وإبن ليلي صلته وطيدة بجميع أفراد عائلته، فهو الأقرب الي الجميع لما يلتمسون فيه من أدب و لباقة, و احترام لمن هم أكبر منه سناً. وتتمني ليلي أن تري إبنها شخصا ناجحا مرموقا وذا شأن كبير، وبان يصبح بطلا في رياضته التي يهواها. و قد فكرت ليلى في كفالة طفل آخر حتى يكون بمثابة الأخ لطفلها الوحيد، إلا أن زوجها لم يشجع هذه الفكرة كثيراً، و آثر أن يحظى الصغير وحده بكل الرعاية و الحنان، “لو كان مقدراً لي أن أصبح أم مرة آخرى سيكون طفلي هذا هو الأخ الأكبر لأولادي، فهو يمثل كل شئ في حياتي الآن، إنه جزء من روحي.”

وقد أجابت ليلى على تساؤلنا عما اذا كانت الأم هي التي تُنجب أم التي تُربي؟ قائلة ” الأم ليست فقط من تحمل وتنجب. الأم هي التي تربي و تسهر على راحة أولادها و تذهب بهم إلى الطبيب، و تذاكر و تراعي، و تحب، وتقدم الدعم، و تحث على النجاح، و تقف إلى جانب أطفالها دائماً و في كل وقت.” ونصيحة ليلى لكل سيدة في مثل حالتها ومرت بنفس ظروفها – لم يسبق لها الإنجاب – و كان زوجها يستحق أن تستمر في الحياة معه، فعليها ألا تتخلى عنه و تسانده، و أن تلجأ معه إلى كفالة طفل صغيرتجمل به حياتها مع زوجها و تكمل به عائلتها الصغيرة، حتى يعينهما على ما تحمله لهما الأيام. كذلك هي تَحُث كل سيدة على أن تمتن للقدر دائماً، “كل ما يأتي به القدرجميل، ولحكمة لا يعلمها أحد سوى الله.”

23666605_978100439008106_116312332_n

رضوى حسني خريجة كلية العلوم قسم الكيمياء و باحثة مبتدئة في مجال الكيمياء الحيوية و الهندسة الوراثية.  تهتم رضوي بكتابة المقالات الاجتماعية التي تتناول قضايا المرأة المصرية و العربية و تدعم حقوقها، كذلك تهوي كتابة القصص الروائية.

**إذا أعجبتك هذه المقالة، أشترك في المجلة لتصلك مقالاتنا في بريدك الالكتروني 

One comment

  1. وايه المانع ..الله يجازيهم خير . .الوفات من الأطفال محتاجين الرعاية والحنان..الفرق لطفل نشاء وتربي في بيت كريم والآخر اتربي في ملجا ايتام..

اترك رداً على الهام رستم إلغاء الرد

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار وردبرس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s