عن العنف الرقمي وآثاره | لقاء مع د. مها السعيد، مؤسسة وحدة مكافحة التحرش بجامعة القاهرة

٢٠ ديسمبر ٢٠٢٥
سيدات مصر

الدكتورة مها السعيد، أستاذة الأدب الإنجليزي ومؤسسة وحدة مكافحة التحرش بجامعة القاهرة، وهي مرشحة السفارة الأمريكية بالقاهرة للجائزة الدولية للمرأة الشجاعة لعام ٢٠٢١. د.مها رائدة في التوعية بالتحرش الجنسي وتطوير الموارد للتعامل معه. سمحت قيادتها ودعوتها في إنشاء وحدة المعالجة المركزية بجامعة القاهرة وإطلاق وحدات مماثلة في الجامعات في جميع أنحاء مصر للطلاب بالتحدث جهرا ضد التحرش والاعتداء الجنسي. ساعدت جهود د.مها الجامعات في جميع أنحاء مصر على أن تصبح بيئة أكثر أمانًا.

سيدات مصر: هل ما زالت النظرة المجتمعية تقلّل من خطورة العنف الرقمي مقارنة بالعنف المباشر؟
مها السعيد: للأسف نعم. بالرغم من تزايد العنف الرقمي واتساع تأثيره ليصل أحيانًا إلى عنف جسدي يهدد الحياة اليومية، لا يزال المجتمع يقلّل من خطورته إلا في الحالات المأساوية مثل الانتحار، كما حدث في قضايا بسنت شلبي، هايدي شحتة، ونيرة صلاح.

العنف ضد المرأة عمومًا يُسفَّه منه، وغالبًا ما تُحمَّل الضحية المسؤولية بدلًا من المعتدي. هذه النظرة تمتد إلى العنف الإلكتروني بشكل أكبر، إذ يرى كثيرون أن الفضاء الرقمي “افتراضي” أو “مجرد لعبة”، فيتجاهلون الأضرار النفسية والاجتماعية الخطيرة مثل الاكتئاب، العزلة، القلق، وحتى الانتحار.

س م:  هل النساء العاملات في مجالات عامة (إعلاميات – مؤثرات – ناشطات) يتعرضن لنمط مختلف من العنف؟
م س: نعم، الدراسات تؤكد أن النساء العاملات في مجالات عامة مثل الإعلاميات والمؤثرات والناشطات يتعرضن لأعلى نسب العنف الإلكتروني. بالنسبة للمدافعات عن حقوق الإنسان، تصل نسبة من يتلقين صورًا أو رموزًا جنسية غير مرغوبة إلى 70%، بينما 62% يتلقين رسائل كراهية أو شتم.

أسباب هذا العنف ترتبط بمحاولة تقليص حضور المرأة في الفضاء العام وإثبات تفوق موازين القوة الذكورية. النساء البارزات ذوات الصوت المسموع يتعرضن لهجمات ممنهجة لإسكاتهن ودفعهن للانسحاب.

دراسة أجريتها أظهرت أن 80% من المنظمات النسوية تعرضت لعنف رقمي ، أبرز أشكاله التحرش والرسائل المسيئة، يليها التهديدات التي تتهمهن بتحدي الدين أو الأعراف الاجتماعية. هذا متوقع لأن عمل هذه المنظمات يهدف لتغيير ديناميكيات القوة الجندرية لصالح المساواة. وعي هؤلاء النساء بحقوقهن يجعل الإبلاغ أكثر شيوعًا مقارنة بالفتيات العاديات.

س م:  ما الدور الذي يجب أن تلعبه الأسرة في حماية الفتيات عبر الإنترنت؟
م س: دور الأسرة أساسي، ليس فقط في الحماية، بل في تعزيز المرونة الرقمية دى للفتيات.
بناء الثقة والتواصل المفتوح هو حجر الزاوية؛ إذا خافت الفتاة من العقاب أو اللوم، لن تبلغ عن أي مشكلة. يجب أن يكون الحوار خاليًا من الانتقاد، مع تأكيد الدعم مهما كان الخطأ أو التهديد.

دراسة برلمانية في مارس 2024 حول حالات انتحار بسبب العنف الإلكتروني أظهرت أن معظم الضحايا من خلفيات قروية محافظة، حيث الخوف من الأهل يسهل الابتزاز، كما في قضية باسم طالب الجامعة الأمريكية.

الحل ليس منع الفتاة من استخدام الإنترنت، بل تعليمها الاستخدام الآمن، وتقديم استجابة فورية عند التعرض للعنف: دعم نفسي وقانوني، ومساعدتها على استعادة الأمان دون تضخيم شعورها بالذنب.  

س م: هل ترين أن المدارس والجامعات تقوم بدورها في التوعية الرقمية؟
م س: للأسف، قضية العنف ضد المرأة ليست أولوية للمؤسسات التعليمية، ويظهر الاهتمام فقط عند وقوع أحداث إعلامية كبيرة.
صحيح أن معظم الجامعات المصرية لديها وحدات لمناهضة التحرش والعنف ضد المرأة، لكنها محدودة النشاط رغم قيامها ببعض حملات التوعية، ومنها التوعية بالتحرش الإلكتروني.

س م: هل ترين ضرورة إطلاق استراتيجية وطنية لمكافحة العنف الرقمي ضد المرأة؟
م س: هناك بالفعل استراتيجيات لمناهضة العنف ضد المرأة، وتمكينها، إضافة إلى قوانين للتحرش ومكافحة جرائم تقنية المعلومات. لكن منظمات المجتمع المدني تطالب بقانون موحد يشمل جميع أشكال العنف، بما فيها الرقمي، لتوحيد التشريعات وتعريف الجرائم القائمة على النوع الاجتماعي.

س م: ما الخطوات الفورية التي يجب اتخاذها عند التعرض لهجوم رقمي أو تهديد؟
م س: الإبلاغ هو الخطوة الأولى. رغم وجود صعوبات، ظهرت مجموعات على وسائل التواصل تساعد النساء في الإبلاغ وحذف المواد المسيئة، مثل “اتكلمي” و“قومي”.

س م: ما دور الجامعات في تقديم خطط حماية للطالبات داخل الحرم الجامعي وخارجه؟
م س: الجامعات المصرية شريك أساسي في تنفيذ محور “الحماية” ضمن الاستراتيجية الوطنية لمكافحة العنف ضد المرأة.
دورها يشمل إنشاء آليات لضمان سلامة الطالبات ومحاسبة المعتدين، وتطبيق لائحة العقوبات الجامعية على مرتكبي العنف، سواء كانوا طلابًا أو أعضاء هيئة تدريس.

كما تنظم حملات توعية مستمرة، وتقدم الدعم في حالات العنف خارج أسوار الجامعة، خاصة في البيئة الرقمية، من خلال توجيه الطالبات لتأمين حساباتهن وحفظ الأدلة لتقديم بلاغ رسمي.

س م: ما رسالتكِ للمرأة التي تخاف من الإبلاغ؟
م س: • أنتِ لستِ وحدكِ: العنف الإلكتروني جريمة، والإبلاغ فعل شجاعة.

• الأمان حقكِ: الإنترنت مساحتكِ، وسلامتكِ حق غير قابل للتفاوض.

• القانون في صفكِ: القانون المصري يجرّم العنف الإلكتروني والابتزاز.

  • حماية الأخريات: إبلاغكِ يفتح الطريق لفتيات أخريات ويخلق مجتمعًا أكثر أمانًا.

س م: وما رسالتكِ للمجتمع في يوم مناهضة العنف ضد المرأة؟
م س: أمن المرأة هو أمن المجتمع. لا تلوموا الضحية، بل تحدوا الأعراف التي تبرر الإيذاء. التغيير يبدأ من البيوت والمدارس عبر التربية على الاحترام والمساواة.

أدعو الجميع لكسر جدار الصمت والخوف، والاعتراف بجميع أشكال العنف، والتحدث والاستماع وتصديق الناجيات.

 س م: كيف يمكن للمؤسسات الإعلامية التوقف عن التطبيع مع العنف الرقمي أو تصويره كـ”ترند”؟
م س: يجب أن يكون الهدف من التغطية الإعلامية العدالة والوقاية، لا الإثارة أو زيادة المشاهدات.
المعايير الأخلاقية تتطلب حماية الضحية، استخدام لغة محايدة، وتقديم معلومات عملية عن طلب المساعدة، مع التركيز على المساءلة وتغطية نتائج المحاكمات.

. كما يجب أن يلعب الإعلام دورًا في الوقاية عبر حملات وبرامج تغير السلوكيات السلبية وتنشر ثقافة المساواة والاحترام

.

أضف تعليق