٣ يناير ٢٠٢٦
د. هالة إمام
استاذ القانون الجنائي المساعد
لم يكن ظهور تقنية التزييف العميق مجرد تطور رقمي يعزز إمكانات الذكاء الاصطناعي في مجالات الإعلام والترفيه؛ فقد تجاوز ذلك ليصبح أداة اعتداء حقيقية تمس كرامة النساء وحقوقهن الرقمية. فالتقنية التي تمكّن من تركيب صور أو مقاطع فيديو تبدو حقيقية تمامًا، تحوّلت إلى وسيلة مقلقة تستهدف المرأة باعتبارها أكثر الفئات عرضة للاستغلال الرقمي، خاصة حين يستند الاعتداء إلى حساسية المجتمع تجاه صورة المرأة وسمعتها.
تقنية قادرة على صناعة “وقائع غير موجودة”:
التزييف العميق يعتمد على خوارزميات تحليل وتوليد صور وصوت وفيديو باستخدام الذكاء الاصطناعي. وتشكل دقته العالية خطرًا حقيقيًا؛ فهو لا يكتفي بإنتاج محتوى مضلل، بل يصنع “أحداثًا افتراضية” يمكن أن يصدقها المتلقي، خصوصًا حين يظهر شخص في موقف أو حديث غير حقيقي تمامًا. وهنا تكمن المشكلة: إثبات العكس قد يكون أكثر صعوبة من انتشار المحتوى ذاته.
النساء في دائرة الاستهداف:
رغم أن التزييف العميق قد يطال الجميع، إلا أن النساء أكثر تعرضًا له لعدة أسباب، من بينها:
سهولة الحصول على صورهن عبر وسائل التواصل.
قابلية المجتمع للتشكيك في سلوك المرأة عند ظهور محتوى مسيء.
استغلال الجناة للعوامل الاجتماعية للابتزاز أو التشهير.
وقد أثبتت عدة تقارير دولية أن نسبة كبيرة من المحتوى المزيف باستخدام هذه التقنية يهدف لإنتاج مواد ذات طابع جنسي أو تشهيري ضد النساء تحديدًا، بما يجعله صورة مستحدثة من العنف القائم على النوع الاجتماعي، تتجاوز الأذى الرقمي إلى أبعاد نفسية وأسرية ومهنية.
أبعاد قانونية وإشكالات إثبات:
من الناحية القانونية، لا تزال التشريعات تتعامل مع الظاهرة بوصفها جزءًا من الجرائم الإلكترونية أو جرائم الاعتداء على الخصوصية، دون نصوص تفصيلية تتناول طبيعة التزييف العميق ذاته. كما تبرز عدة صعوبات، أهمها:
صعوبة تحديد مصدر المحتوى وكيفية إنتاجه.
انتقال المواد عبر منصات خارج الاختصاص القضائي للدول.
حاجة الجهات المختصة لخبرات تقنية متقدمة لإثبات التزييف.
ومع ذلك، تطوّر بعض النظم القانونية اتجاهات تجريمية واضحة، أهمها التضييق على إنتاج أو تداول المحتوى المفبرك دون موافقة الشخص المعني، واعتبار ذلك صورة من صور العنف والتحرش الرقمي.
مجتمع بحاجة لخطاب حماية لا خطاب لوم:
من المؤسف أن بعض الخطابات الاجتماعية لا تزال تلوم الضحية بدلًا من مساءلة الجاني، ما يدفع بعض النساء للصمت خوفًا من الوصم، رغم أن المحتوى قد يكون مفبركًا بالكامل. ومن الضروري تعزيز وعي مجتمعي ينطلق من احترام خصوصية المرأة وحقها في بيئة رقمية آمنة، والاعتراف بأن الاعتداء لا يتحقق بنشر “صورة حقيقية”، بل بمجرد استغلال صورة أو ملامح أو هوية المرآة لإلحاق الضرر بها.
التزييف العميق ليس مجرد تطور تقني، بل تحول إلى وسيلة حديثة من وسائل العنف القائم على النوع الاجتماعي، باعتماد أدوات رقمية قادرة على اختراق الخصوصية والمساس بالسمعة. ومن هنا تبرز الحاجة إلى منظومة قانونية تُدرك طبيعة التقنية وخطورتها، وتواجهها بنصوص واضحة وإجراءات حماية فعالة، تُعيد للمرأة حقها في فضاء رقمي آمن، وتمنع تحويل ملامحها إلى أداة اعتداء أو ابتزاز أو إسكات.


