٣ يناير ٢٠٢٦
ميساء جيوسي
نرسم لنحيا، لنبدع و لنستمر- هذا لسان حالها وهي تتحدث عن علاقتها بالفن بكل اشكاله، رسما وتصميما وتذوقا. تقول هدى القوني بأن الفن لا يُولد في الفراغ، ولا يتشكّل في عزلة.
رفقة زوجها ،سفير مصر السابق طارق القوني، عاشت الفنانة هدى القوني في دول مختلفة في قارات العالم شرقا وغربا. حيث رأت الفن بقلبها ولمسته بروحها قبل العيون، فقد كان الفن لها وطنا بعيدا عن الوطن. لم يكن الفن في حياتها مجرد ممارسة بصرية، بل خلاصة رحلة إنسانية طويلة، صاغتها الجغرافيا، وعمّقتها الثقافات، وأغنتها العلاقات البشرية.
خمسة وثلاثون عامًا من مرافقة زوجها السفير طارق القوني في رحلة العمل الدبلوماسي، والتنقل المستمر بين دول إفريقيا، وآسيا وأوروبا، وأمريكا اللاتينية. تنقّلات لم تكن مجرد انتقال جغرافي من مكان للآخر، بل كانت تجارب إنسانية غنية، كوّنت وعيًا يرى أن الأماكن بلا بشر تفقد معناها الحقيقي، وأن القيمة الحقيقية لأي مكان تكمن في البشر الذين نتعامل معهم في هذه الاماكن، في قصصهم، وفي المشاعر التي يتركونها خلفهم.
كان تواجد هدى القوني في فيينا محطة هامة حيث انها في ذلك الوقت انضمت لمبادرة تدعى “صديق المتحف” ومن هناك بدأت بتذوّق الفن، وبدأت ببناء علاقة خاصة مع المتاحف، ومع الموسيقى، ومع عروض الأوبرا. تقول بأن “الفن هناك كان يُعاش قبل أن يُمارَس”. هذا التذوق العميق، الصامت أحيانًا، أسّس طبقات متراكمة داخليا لديها نحو تذوق الفن وجعل العلاقة مع الجمال أكثر نضجًا ووعيًا. فالعيش في أوروبا، كما تصفه القوني، كان تحديًا من ناحية الانتقال مع الاسرة والأطفال، لكنه كان أيضًا مدرسة كبرى لفهم الفن بوصفه تجربة شعورية قبل أن يكون تقنيات بحتة.
اما عن علاقتها المبكرة مع الفن فقد بدأت منذ الطفولة. حيث كبرت وهي تحمل حسًّا فنيًا طبيعيًا، مدعومًا من الأسرة، فهي تتذكر بكثير من البهجة رسوماتها الأولى التي تعود لسنوات الطفولة المبكرة. في كل مكان عاشت فيها، كانت الطبيعة مصدر إلهام دائم؛ فالارتباط بالطبيعة حسب ما تقول يمنح الإنسان إحساسًا عميقًا بكل ما خلقه الله، ويعيد ترتيب العلاقة مع الوجود ومع الذات.
التحوّل الحقيقي في مسارها الفني جاء في كولومبيا، من خلال صديقة عرفتها لفنانة كولومبية فتحت لها بابًا جديدًا من خلال ترجمة المشاعر إلى رسم. تجربة الرسم مع إغماض العينين والاستماع إلى الموسيقى لم تكن تمرينًا تقنيًا، بل شعورا إنسانيًا خالصًا وتجربة من نوع خاص. فالفن في جوهره مشاعر، والقدرة على نقل هذه المشاعر – بحلوها ومرّها – هي ما يمنح الفنان طاقته الحقيقية. من هنا، لم يعد الفن فقط وسيلة تعبير، بل أصبح أيضًا شكلًا من أشكال العلاج، والشفاء، والمصالحة مع الذات.
في لوحاتها، تظهر البيوت والناس والمراكب، لكن ليس بوصفها عناصر معمارية أو مشاهد واقعية. فالبيت، عند هدى القوني، مفهوم مفتوح، قد يكون جدرانًا، وقد يكون حضنًا، وقد يكون إحساسًا بالأمان. فالبيوت انعكاس للمشاعر، وكل بيت يحمل روح ساكنيه. تقول بأننا عندما ندخل البيوت، نشعر بشخصيات من عاشوا فيها، بثقل أحزانهم، وبحلاوة أفراحهم. حتى الحضن، في مخيلتها الفنية، لا يقتصر على الإنسان؛ قد يكون حضن لحيوان أليف، كلب، قطة أو حصانًا، أو أي كائن يمنحنا حضنه الأمان.
أما عن أسلوبها الفني فهو يميل إلى الحرية، إلى التجريد، إلى رسم المراكب كظلال، والبيوت كحالات شعورية أكثر منها أشكالًا محددة. من خلال استخدام الاكريليك، فهي تجد في الفن التجريدي مساحة رحبة للتعبير عما لا يُقال بالكلمات.
أول معارضها كان في فيينا، معرضًا صغيرًا بالتعاون مع مكتب الأمم المتحدة، تلاه معارض مشتركة في كل من روما، والمانيا والكويت والعديد من المعارض الفنية المشتركة في مصر. كما تم انتخابها لشغل منصب رئيسة Cairo art Guild.
تقول القوني بأن المعارض لم تكن هدفًا بحد ذاتها، بل امتدادًا طبيعيًا لتجربة داخلية نضجت ببطء وصدق. وتوالت بعد ذلك المعارض في الكثير من الأماكن والعديد من المناسبات.
من كولومبيا إلى الكويت، ومن فيينا إلى إفريقيا، تتشكّل تجربة هدى القوني بوصفها شهادة على أن الفن لا يُخلق وحيدًا. هو ابن الرحلة، وابن البشر، وابن المشاعر التي نمرّ بها ونحملها معنا أينما ذهبنا.



