الموضوعية في عصر الذكاء الاصطناعي

١٠ يناير ٢٠٢٥
مروة سعودي


أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي وسيلة فعّالة لكشف المراجع المزيّفة والأبحاث الاحتيالية التي ينتجها بعض الباحثين عندما يعتمدون بشكل كبير على الذكاء الاصطناعي. ومع الوقت، لم يعد السؤال هو: هل يساعدنا الذكاء الاصطناعي في البحث وبناء المعرفة؟ بل أصبح: هل يضرّ بقدرتنا على تحصيل وبناء المعرفة ؟
هل نستخدمه بشكل بريء في إعادة الصياغة والتدقيق اللغوي على سبيل المثال، أم أننا نفقد إحساسنا وحدسنا الفكري دون أن نشعر؟

الفخ الفلسفي: بولاني والموضوعية

أثناء قراءتي لكتاب المعرفة الشخصية لمايكل بولاني (1957)، لاحظتُ ارتباطاً واضحاً بين أفكاره ومشاكل البحث العلمي اليوم.

يقول بولاني إن العقل البشري ينجذب إلى الأفكار التي تبدو منطقية ومريحة فكرياً، وغالباً ما يفضّلها على التجربة الشخصية. وهذا يقودنا إلى سؤال مهم: عندما ننشر أبحاثاً مزيفة، أين تكون الموضوعية؟
هل بدأنا نهتم بالأرقام والشهرة أكثر من الحقيقة؟ مثل عدد الأبحاث المنشورة أو عدد المتابعين على وسائل التواصل الاجتماعي؟

هل نحن نتجه إلى ما يشبه “مصنع علمي” يُنتج أبحاثاً ضعيفة بكثرة، ويُقاس فيه النجاح بالتسويق والظهور الرقمي، لا بالجودة أو الفائدة الحقيقية؟

المشكلة هنا أن الذكاء الاصطناعي قادر على إنتاج كلام يبدو جميلاً ومقنعاً، حتى لو كان غير صحيح. وهذا يجعل من السهل على أي شخص إنتاج محتوى يبدو موثوقاً، لكنه في الحقيقة قد يكون خاطئاً تماماً.

الفجوة بين الخبير وغير الخبير

أتذكر موقفين من فعاليات حضرتها مؤخراً. في الأول، كنتُ أشارك في نقاش حول تكنولوجيا التعليم. وعندما سألت الحضور إن كانوا قد قرؤوا أبحاثاً علمية في هذا المجال، لم يجب أحد. كانت أغلب المداخلات تركّز فقط على إرضاء المستثمرين وتسويق الخدمات، دون أي حديث عن الأسس العلمية. كان واضحاً أن السوق يفضّل من يتبع الصيحات، لا من يمتلك معرفة حقيقية، وهذا ما تعززه وسائل التواصل الاجتماعي والذكاء الاصطناعي.

في موقف آخر، قال أحد المشاركين إن الذكاء الاصطناعي لا يشكل أي خطر، فقط لأنه سمع ذلك من سام ألتمان. وهذا مثال على كيف تؤثر وسائل التواصل الاجتماعي في طريقة تفكير الناس.

هذا الموقف ذكرني بما ورد في كتاب المعرفة العملية: كيف تدير المنظمات ما تعرفه (2000) لتوماس ولورانس. يذكر الكتاب أن الموظفين الجدد غالباً يظنون أنهم يعرفون الكثير، بينما الخبراء الحقيقيون يكونون أكثر تواضعاً. ببساطة، من يعرف القليل يظن أنه يعرف كل شيء، لأنه لا يدرك ما يجهله.

في زمننا هذا، يعني ذلك أن قلة الخبرة تجعلنا نثق بأنفسنا أكثر مما يجب. وعند التعامل مع الذكاء الاصطناعي، قد نقبل نتائجه بسهولة لأنها تبدو ذكية، دون التفكير أو التحقق منها بعمق.

حدود التكنولوجيا ومصدر القلق

الذكاء الاصطناعي أداة تتطور بسرعة، لكن السؤال هو: هل نحن نتطور معها فكرياً وخبرياً؟
رغم أن كتاب المعرفة العملية كُتب قبل أكثر من 25 عاماً، إلا أن فكرته ما تزال صحيحة واقتبس هنا من ص ١٤٢:

«التكنولوجيا وحدها لا تجعل الناس يتعلمون، ولا تدفع غير المهتمين إلى البحث عن المعرفة. وجود التكنولوجيا وحده لا يصنع مؤسسة متعلمة ولا نظاماً عادلاً.»

قلقي هو: هل ستنجح أنظمتنا التعليمية في بناء خبرة حقيقية ومعرفة عميقة للأجيال القادمة في عصر الذكاء الاصطناعي؟
كيف سنعرف من هو الموهوب فعلاً؟
هل سنحكم على الرياضي المتميز بعدد فيديوهاته على تيك توك؟ أو نعتبر شخصاً خبيراً فقط لأنه نشط على وسائل التواصل الاجتماعي؟

سأتوقف عن الكتابة هنا، لكن قلقي لن يتوقف.

أضف تعليق