اخر ليالي ديسمبر | جيهان جمال 

٣٠ ديسمبر ٢٠٢٢
جيهان جمال

بالبدايات غالباً ما ترسم لنا الأحلام خيوط هادئة الألوان.. ناعمة.. فنُقبل على الأيام بأمان تام.

ثم رويداً .. رويداً نفيق على الكثير من التخبط الذي قد يصل بنا إلى حد الانزعاج. 

واحياناً اخرى نرى أن تضاريس الأيام مستوية إلى حدِ ما فنعبر طرقات الحياة بكُل اريحية، وهذا بالغالب نادر الحدوث، و إن حدث ستجد أن هناك من المعاناة مايجعل أحدهم يكابد لتبعات نواحي أخرى .

وبين هذا، وذاك تترك معاناة الأيام بصمتهَا، وتتتزع المواقف الحقائق من حُضن الليالي .

وهكذا هي كُل سنوات العُمر نستقبلهَا بحُب وبجميل البدايات، و شيئاً .. فشيئاً ننسىَ أن طبع الليالي هو الانسحاب.

إنهَا النهايات التي جميعنا بلا شك يدركهَا على الرغم من عدم تحسبنا للحظة مجيئهَا .

والتي تُذكر دائماً بانسحاب خيوط الليل لتأتي بدايات يوم جديد ينبض بالحياة أو ربما لا ينبض !

لكن على أية حال .. متي بقىَ ليل أو لم يأتي نهار؟! 

إنهَا الحياة ! 

والتي احتُسب بها هذا العام الذي سوف يمضي من أعمارنا .

لتأتينا اخر ليالي ديسمبر بهذا العام بالنهايات المرهقة شديدة الوطأة على الجميع بلا استثناء كبدايات الشهور الأولى من ذات العام واعوام مضت .

لذا لم تختلف البدايات كثيراً عن النهايات ، وكأن كوڤيد ١٩ الذي نأمل الا تعود ايامه ولياليه وكأنه اجبرنا على الإعتراف بأننا لن نخدع قط ، فهو كشف بلا هوادة عن وجهه القبيح منذ أتى .. وكذلك كان اشارات سباقة لِمً هو اتيِ من بعده .. فالأزمات المتوالية تتحدث عن نفسها بكل وقاحة .

لتضع العالم اجمع بنفق معاناة نتمنى الا يطول وندعوا الله بالفرج واللطف بنا .

ومع ذلك تجد أن البعض لازال عند موقفه من اللامبالاة، وكأنه لاشيء يستحق حذر إقتراب النهايات .

ليظلوا على ذات وتيرة الإندهاش ..أو ربما الإنتعاش بالهروب من المسئولية ، لنرى أن الحذر هو اخر اهتماماتهم .

ثم تجد صنوف أخرى ترى أن هذا الشهر بالذات قرر عن عمد ألا ترحل ايامه، ولياليه قبل أن يجهز على الجميع .

والحقيقة أن الأيام، والليالي بريئة من كل مايحدث لنا .

لذا نحن نعيش الحياة التي اهدانا الله إياهَا لا لنتألم بل لنتأمل ان مع كل محنة منحة وهذا يقيني عن عدة تجارب مع الحياة. 

فتأملات اعوام سابقة، وكأنهَا بالعُمر كله، وهذا ليس حالي فقط ولكنه حال الكثيرين من البشر .

فتلك السنوات بالفعِل احداثها جلل مابين انتشار واختلاف الأوبئة والحرب الروسية الأوكرانية التي ذكرني ماحدث لشعب أوكرانيا فيها من تهجير وتهدم منازل بما حدث لنا نحن ابناء مدن القناة وقت كنا أطفالاً صغار.

فالحروب تُشعل العالم لكن اول من يكتوي بها الشعوب فبالفعل ووضعتنا تلك الحرب الأخيرة على عتبات تبعاتها وتركتنا نكتوي بجمر الغلاء الفاحش.

جلل مامر به العالم اجمع بلا استثناء، وكأن الشيء الوحيد الذي جمع العالمين هو القلق المضني الذي مرر الأوقات ثقيلة تحمل هموم الخوف من المستقبل. 

فنحن نعيش للأسف تحت وطأة القهر والخوف من المجهول .. إلى أن يشاء الله بكشف الغمة عن العالمين .

لنقف أمام اخر ليالي ديسمبر لا أمنيات لنا سوى أن يرحل عن عالمنا كل هذا العناء والعبث الذي لاذنب لنا فيه .

ومن المفارقات أن اخر ليالي ديسمبر صارت تعني لي النهايات فكم اتمنى أن تنتهي المعاناة. 

وهذا بالفعل كان عمل من اواخر أعمالي الأدبية .

فالمجموعة القصصية التي تحمل ذات المسمى وجدت أن جميع القصص بها دون تحسب مني جمعتهم فكرة النهايات.. فأنا حين أكتب أصير كعاشق لايدرك إلى أين المسير.

وهكذا يستمر حالي مع التأملات ل اخر ليالي ديسمبر من كل عام.. فربما تحولت عندي في اللاوعي أو الوعي لناقوس يدق باقتراب رحيل.. أو بدايات جديدة أكثر اريحية.

فمنذ سنوات ليست بالقليلة صرت احتسبهَا منذ أن يأتي ديسمبر بأول ليلة.

وكأني اراه ضيف يقبل على استحياء، و ليلة بعد ليلة يدون بأوراق العمر أن أشياء كثيرة على وشك الغياب، و ما علينا أن نضيف للعمر سوى عام قادم لاندري سيكتمل بنا أم سنغيب عنه .

وهكذا صرت اتحسب ديسمبر، وأطيل الوقوف عند ال ٣١ ليلة، والتي تأتي ثابتة دون نقصان كمثل شهور قليلة أخرى بالعام .. لكني لا اتوقف ملياً سوى عند ديسمبر.

فتأرجح بعض شهور العام مابين زيادة ليلة أو انتقاصهَا لايعنيني .. فأنا شخص لا يجيد الحسابات.

فقط كل ما أشعر به أنها تنتقص أو تزيد من عافية الأيام ، ورواءها ، وهذه سنة الحياة التي تقدر من يقدرها ، ويتقبل النهايات بحُب ، ويحترمهَا تماماً مثلما قدر ، واحتفىَ بقدوم البدايات . 

ثم ستجدني كالكثيرين أعود لمرحلة عمرية مبكرة، وكيف كانت وقفتي مع ديسمبر من كل عام .

فلم يكُن يعني لي سوى ليلة لطيفة لنهاية عام كنت أستقبلهَا بحب، وأتلهف مجيئها وأظل أرتب لقدومها.

فسوف تكون بالتلفزيون وقت ان كان قناتين فقط سهرة غنائية رائعة، ومن بعدها سوف استقبل إشراقة عام جديد .

فدأبت لعدة سنوات قليلة من عمر شبابي أضييء الشموع، وأضع بشجرة عيد الميلاد الزينة الخاصة بهَا، وكأني اتهييء ، وقلبي لموعد غرام بقدوم أيام هنية جديدة بل وربما مختلفة .

أتذكر جيداً تلك اللمبات الكهربائية الصغيرة الملونة الموصولة بحبل طويل من حلم لازال يأمل بود الأيام .

كنت الفه حول شجرة الكريسماس لتأتي ، وتغيب تلك الأضواء الملونة الهادئة أمام عيني ، وكأنهَا تذكرني بحال الدنيا حين تأتي ثم تغيب .. ثم تأتي ، وتغيب .

بالفرح.. بالأمل .. بالحب.. بالسعادة، وبكل حالات المشاعر التي نعيشها بصدق حين تأتينا ثم تغيب عنا.. ثم تأتينا، وتغيب.

ولا يستثنىَ من تلك المراوغة لليالي العمر، وأيامه سوى شعور واحد غالباً لا يأتي سوى مرة واحدة بالعُمر، ولو غاب لايعود .

لكنه مهما أطال الغياب تجده أبقى ، وأغلى .

إنه الشيء الوحيد الذي يجعلك تنتصر له ، وتنهزم به ، ومابين الهزيمة ، والانتصار لا حيلة .. لا اختيار.. لا فرار.

إذا أعجبتك هذه المقالة، أشترك في المجلة لتصلك مقالاتنا في بريدك الالكتروني **

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s