٢٢ أغسطس ٢٠٢٦
إيمان غازي
يبدأ الموسم بدوران الساقية السنوية؛ الجري في كل اتجاه عشان نشتري اليونيفورم بالمقاس المضبوط، ومستلزمات المدارس المعتادة، ومعاهم قائمة “السبلايز” العجيبة اللي ميزانيتها بقت محتاجة قرض عقاري!
تقعدي بالساعات تمسكي الـTickets اللي اخترتيها، Printed وجاهزة باسم كل طفل، وتفضلي تلزقيها على كل قلم وأستيكة وكشكول. ومع كل ستيكر بتلزقيه، يبدأ قلبي يقشعر.. وعقلك يدرك إن خلاص، زئير “الألارم” راجع يصحيكي الفجر!
وتدخلي بقى في معركة “اللانش بوكس” اللي مبتخلصش كل يوم: تقطيع الخيار، وتقطيع الفاكهة، ومين بيحب فلفل أحمر؟ لا، مين بيحب فلفل أصفر؟ ورص البانيه والناجتس والبطاطس والزبادي.. وتدخلي في الصراع الأبدي: “لا، الأكل ده هيلثي.. لا، ده مش هيلثي!”
لحد ما تكتشفي النكت والقصص وتقليد العيال العجيب لبعض في الفصل، ونقعد نضحك كلنا على افتكاساتهم. لأن الغريب إنهم مبيرضوش ياكلوا الحاجات دي في البيت، وما بياكلوهاش غير لما يلاقوا صحابهم بياكلوها الأول في المدرسة!
يعني لما بنتي تيجي في يوم، وبكل براءة واندهاش تقولك:
“ماما.. حسن صاحبي بيجيب بيض في المدرسة! يعني إيه بيض؟!”
تحسي إنك عايزة تصرخي. ولو حلفتِ للأم التانية إني بقالي سنين بتحايل على بنتي تاكل بيضة واحدة كل يوم ومش راضية، عمرها ما هتصدقني!
ولا الموقف الأليق بقى لما أم كلمتني وقالتلي:
“يا إيمان، هي بنتك بتاخد معاها رز بلبن المدرسة؟ ليلي بتقولي إن بنتك بتاخد رايس بودينج!”
قمت قايلالها وأنا بضحك:
“رز بلبن؟! لا يا جماعة.. دي شعرية باللبن!”
ومن يومها، نص فصل بنتي بقى بيطلب وياكل شعرية باللبن، والنص التاني بياكل بيض زي حسن!
وفي وسط كل ده، الصويت الشهير يرجع تاني:
“يلا يا عيال عشان الميعاد وباب المدرسة هيقفل!”
وفي قمة الاستعجال، وعلى أعتاب الباب خلاص، تجيلك الصدمة الكلاسيكية اللي بتوقف الدم في العروق:
“ماما.. أنا عايز أدخل التواليت!”
واجري بقى ابعتي إيميل للمدرسة تقولي فيه إنه هيتأخر عشان داخل التواليت. يعني هجيبه المدرسة عامل على روحه؟!
وتفضلي في ساقية الإيميلات؛ اللي رايحة واللي راجعة طول اليوم.
وربنا يخلي لنا كمان جروب الأمهات والأمهات الطيبين اللي دايمًا بيعرفوكي بيحصل إيه أول بأول، ده لو إنتِ ما عرفتيش لوحدك من النشرة الإخبارية للولاد عن كل التفاصيل والـDetails والـHassles اللي بتحصل جوه الفصل: مين زق مين؟ بنتك اللي راجعة عندها مشكلة مع صاحبتها؟ ابنك اللي اتخبط أو رجع زعلان؟
وساعتها.. يقشعر قلبي أكتر وأكتر.
وقمة الدراما بقى لما تكوني أم بتشتغل!
مفروض تصحي الفجر، وتنزلي الولاد في عز التكتكة والبرد، وتطلعي جري على شغلك وعقلك مقسوم نصين.
والمفاجأة؟
أنتِ كأم مش من حقك تعيا. مش من حقك تصحي في يوم متأخر. ومفيش في قاموسك خيار اسمه “أقع” أو “أرتاح”.
وتيجي المطرة المباغتة، فالمدرسة تبعت بكل بساطة:
“تقرر إجازة لسوء الأحوال الجوية!”
طب والأم اللي عندها شغل ومواعيد دي تعمل إيه مع الطفل اللي قعد فجأة؟
سوري.. اتصرفي مع شغلك!
نوصل للصيف، ونبدأ رحلة البحث واللف والتدوير. نقعد نسأل ونقلب الدنيا عشان نلاقي Summer Camp مناسب للطفل، يملى وقته ويفيده، من غير ما يهد حيلنا، وفي نفس الوقت ما يكسرش الميزانية اللي أصلًا جايبة آخرها.
ونفضل معلقين في الدوامة دي.
مع إن أصلًا.. أنا بحب التعليم!
بس أصلح إني كأم أبان إني مش بحبه من كتر الضغط.
بالعكس، أنا بصراحة بحب فترة المدارس جدًا. بحب الحركة والجري هنا وهنا.. ده طبعًا لو عدى الـHomework على خير من غير خناقات، والولاد متعلمة كويس، ومفيش خناقة على مين مقتنع بالـHomework ومين مش مقتنع، ولا ابني بيتضرب هنا، ولا حد بيضايقه هنا.
لكن تيجي الطامة الكبرى لما تبدأ خناقات الـHomework:
مين هيقعد يعمل الـHomework؟
وتدخلي في جدال طويل مع طفل مش راضي يمسك القلم، وتبدأ دقات قلبك تتسارع، وتزيد وتيرة ضربات قلبك كأنك داخلة فيلم رعب، مش مجرد مذاكرة!
وتطلع لك الأم الفيلسوفة تقولك:
“بس بصراحة يا جماعة.. المدرسة بتخلي الأولاد منتظمين وعندهم روتين!”
يا ستي على عيني وعلى راسي.. ما الحضانة كانت بتخليهم منتظمين، وبتخلص الساعة 5!
أنتِ هنا متمزقة بين إنهم أخيرًا هيرجعوا لسيستم محدد، وبين قلقك الرهيب من المذاكرة، وطرق التربية المختلفة للولاد في الفصل، وتدريب ابنك إزاي يدافع عن نفسه ويقف لوحده من غير ما يتبلطج على حد.
وفي الآخر، يفضل السؤال الكبير:
هل العيال دول فعلًا بياخدوا تعليم كويس يوازي المصاريف دي كلها؟
ولا تعرفي.. ولا تحكمي!
طب هتقارني المدرسة دي بالمدارس التانية؟
تجيلك أم مذاكرة الماركت كويس أوي وتقولك بكل ثقة وضمير مرتاح:
“كل المدارس فيها مشاكل.. وكل الأسعار ولعت!”
طب إنتِ عيالك بقى متعلمين كويس؟
ولا تقدري تحكمي، ولا تعرفي، ولا حد أصلًا يقدر يديكي إجابة قاطعة.
بس وسط كل الطحن ده، بتلمحي الجانب اللذيذ.
الأمهات صحابك اللي بتتقابلي معاهم في النادي أو في الشارع، وتحسوا ببعض، وتفضفضوا عن الغلاء والضغط والروتين.
الأهالي الطيبة.
وابتسامة عم السيكيورتي أو العمال الصبح على باب المدرسة، اللي بتديكي طاقة حلوة ونقية من غير أي مقابل.
وبتصبري نفسك لما تشوفيهم بيتكبروا ويتحملوا المسؤولية خطوة بخطوة قدام عينك.
وقبل ما تلحقي تفرحي، تفتحي مرحلة الجري الجديدة:
من باب المدرسة على التمرين..
نرجع جري نغدي وننظف..
نجهز شنط بكرة..
ونفضل مقضيينها من Summer Camp لتمرين لمدرسة، في سايكل متصلة لا تنتهي.
هي دي السلسلة اللي بنلف فيها.
وهي دي الدوامة اللي بنعيشها كل يوم.
بنجري ونلهث، ونقلق ويقشعر قلبنا، ونتخانق ونضحك، ونشتكي ونفضفض..
بس بنكمل.
عشانهم.
وبقلب كبير.. مش بيوقف حب.



