عندما تنكسر ابنتك… الأسرة هي أول طريق للنجاة

٢٨ أغسطس ٢٠٢٦
د. جيهان رجب



قد تعود ابنتك إلى المنزل كعادتها، لكن شيئا بداخلها لم يعد كما كان. قد تبتسم حتى لا تقلق أحدا، وتقول إنها بخير، بينما تخفي خلف شاشة هاتفها سيلا من الكلمات الجارحة، أو صورة نشرت دون إذنها، أو شائعة انتشرت بسرعة، أو تهديدا جعلها تعيش في خوف دائم.

هذه هي ضحية العنف الرقمي… فتاة لم يمسسها أحد، لكن كرامتها تألمت، وثقتها بنفسها اهتزت، وأصبحت تنظر إلى نفسها بعين مختلفة. وهنا يبرز السؤال الأهم: من يعيد إليها الإحساس بالأمان؟

الإجابة تبدأ من الأسرة.فالأسرة ليست مجرد مكان تعيش فيه الفتاة، بل هي الحصن الأول الذي يحميها عندما يهتز العالم من حولها. وفي اللحظة التي تتعرض فيها للعنف الرقمي، لا تحتاج إلى اللوم أو التحقيق أو العقاب، بل تحتاج إلى حضن يحتويها، وأذن تسمعها، وقلب يطمئنها بأنها ليست وحدها.

إن أخطر ما يمكن أن تفعله الأسرة هو أن تقلل من حجم ما حدث بعبارات مثل: “انسِ الموضوع”، أو “أغلقي هاتفك وانتهى الأمر”، أو “أنت السبب لأنك استخدمت مواقع التواصل.” فمثل هذه الكلمات تضاعف شعورها بالذنب، وتجعلها تخفي ألمها، وربما تمنعها مستقبلا من طلب المساعدة.

وفي المقابل، فإن أول خطوة نحو التعافي تبدأ بكلمة واحدة: “نحن معك.” عندما تسمع الفتاة هذه العبارة، تدرك أنها ليست متهمة، وأن بيتها سيظل المكان الأكثر أمنا مهما حدث.

ومن أهم أدوار الأسرة أن تعيد بناء ثقة ابنتها بنفسها. فالعنف الرقمي يجعل الفتاة تشك في قيمتها، وتخاف من نظرات الآخرين، وربما تمتنع عن الذهاب إلى الجامعة أو لقاء صديقاتها، لأنها تتصور أن الجميع يتحدث عنها. وهنا يأتي دور الأب والأم في تذكيرها يوميا بأنها إنسانة محترمة، وأن ما تعرضت له لا ينتقص من كرامتها ولا من أخلاقها ولا من مستقبلها.

كما ينبغي للأسرة أن تشجعها على العودة تدريجيا إلى حياتها الطبيعية، وألا تسمح للخوف بأن يعزلها عن الدراسة أو العمل أو الأنشطة التي تحبها. فكل خطوة تعود بها إلى حياتها هي خطوة تستعيد بها ثقتها بنفسها.

والاستماع إلى الابنة لا يقل أهمية عن الكلام معها. دعها تتحدث دون مقاطعة، ودون أحكام مسبقة، ودون تهويل أو استهانة. فمجرد شعورها بأن هناك من يستمع إليها باهتمام قد يخفف جزءا كبيرا من الألم الذي تحمله.

ومن واجب الأسرة أيضا أن تتعامل مع المشكلة بحكمة، من خلال توثيق الإساءة، والإبلاغ عنها عند الضرورة، وطلب المساندة القانونية أو النفسية إذا استدعى الأمر. فالدفاع عن الابنة لا يكون بالغضب والانفعال فقط، وإنما بالتصرف الواعي الذي يحفظ حقوقها ويمنع تكرار الإساءة.

ولا ينبغي أن تخجل الأسرة من اللجوء إلى مختص نفسي إذا لاحظت أن ابنتها أصبحت منطوية، أو فقدت رغبتها في الدراسة، أو تغيرت عادات نومها وطعامها، أو سيطر عليها الحزن والخوف. فالدعم النفسي ليس علاجا للضعف، بل وسيلة لاستعادة القوة.

كما أن الأسرة مطالبة بتعليم أبنائها وبناتها منذ الصغر ثقافة الاستخدام الآمن للتكنولوجيا، واحترام خصوصية الآخرين، وعدم نشر أو مشاركة أي محتوى يسيء إلى أحد. فالوقاية تبدأ بالتربية، وتنتهي بمجتمع أكثر وعيا ومسؤولية.

وفي النهاية…قد يفشل العالم كله في احتواء فتاة تعرضت للعنف الرقمي، لكن أسرة واحدة محبة قد تنقذها من الانكسار. وقد تكون كلمة حنان من أم، أو احتضان من أب، أو موقف دعم صادق من أخ أو أخت، أقوى من مئات الكلمات الجارحة التي قرأتها على شاشة هاتفها.

احموا بناتكم بالثقة قبل الرقابة، وبالحوار قبل اللوم، وبالاحتواء قبل إصدار الأحكام. فكل فتاة تشعر أن أسرتها تؤمن بها، ستجد في داخلها القوة لتنهض من جديد، وستدرك أن ما تعرضت له كان أزمة عابرة، لا نهاية لحياتها ولا تعريفا لشخصيتها.

أضف تعليق