طبطبة | قصة قصيرة، بقلم ميريام رزق الله

١٤ ديسمبر ٢٠٢٠
كتبت – مريم رزق الله

قال لي ارفعي يدك اليُسرى، ولفّي ودوُري في المكان، وامشي بيدك على الحيطان، وغطي الأرض من تحتك والسقف من فوقك بالألوان. 

قال تذكري أوّل لون أتى ببالك، واختاري لوحة وارسمي. دعِي الألوان والفُرَش تناديكى، واطلقي العنان ليدك لتُحرّك الفرشاة بحرية، فتأخذك لأماكن بعيدة في نفسك لم تزوريها من قبل. 

أخذت لوحة لونها برتقالي، والأزرق والأبيض والأحمر والأصفر والأخضر نادوني. لم أرغب في استخدام فرشاة تقليدية. اخترت إسفنجة عريضة بعض الشيء. خطوطها سميكة وقوية. 

في البداية، كنت مبسوطة بالحالة والألوان.  خصوصًا بالأزرق والأخضر، لإنهما من ألواني المفضلة. والأصفر لم يكن منها حتى وقت قريب، لكن علاقة وِد بدأت تنشأ بيني وبينه، منذ بدأت أن أدرك إحساس النور والدفء فيه. والأبيض طبعا يدخل القلب بلا استئذان، لكن الأحمر كان بيني وبينه دائمًا علاقة شد وجذب – أحبه على الناس، لكني لا أقترب منه. ولسبب ما قررت محاولة التصالح معه. 

وضعت خطوطا بيضاء وصفراء قصيرة على اللوحة، وبدأت في إضافة الأحمر على استحياء، أما الخطوط الزرقاء والخضراء فكانت أكثر جرأة تلقائيًا. لكن جرأتها بدأت تزعجني، بالأخص الزرقاء، وهذا الأمر كان غريبًا جدًا بالنسبة لي. 

والأحمر أيضًا بدأ في فرض ذاته، وأخذ يتقاطع مع باقي الخطوط ويغطي عليها. كانت درجته زاهية في أول الأمر، لكن لمّا بدأ اللون يجف على اللوحة، تحوّل للُون وشكل الدم وهو يتجلّط. وأخذ ضيقي يزيد، وبدأَت أشكال مزعجة تبرُز قدّامي من اللوحة: تنّين أزرق وإعصار أحمر. وصرت أشعر بالاختناق منها، وبأنني أرغب في إضافة المزيد من الأبيض إليها، لكن المساحات الباقية كانت ضيقة جدا، والألوان في البالِتة بدأت تسيح على بعضها البعض. ومهما كنت أضيف من الأبيض إلى اللوحة، كنت أجده يختلط بدرجات أخرى، وغير قادر أن يكون واضحًا وناصعًا وسميكًا بما فيه الكفاية. 

انتهيت من الرسم، وجلست أمام اللوحة وأنا لا أطيق النظر إليها. وبدأت أشعر بمغص، وجاءتني رغبة في تقطيع اللوحة. 

نادى عليّ وسألني بماذا تشعرين نحوها؟ 
قلت لست سعيدة بها. 
قال دقّقي فيها جيدا قبل أن تواصلي الكلام. وسألني مرة أخرى بماذا تشعرين؟ 
قلت له بالانزعاج. 
سألني ماذا تريدين أن تغيّري فيها؟ 
قلت أريد أن أقطّعها. 
قال لي حسنًا، فكري فقط فيما يمكنك أن تعدّليه فيها. 
قلت أريد أن أغطي الأحمر بالأبيض، لكن لن ينفع ذلك، لأن الأحمر لم ينشف تمامًا بعد، وإن أضفت الأبيض فوقه، سيمتزج اللونان. 
قال لي حسنًا، لا تستخدمي الفرشاة، جرّبي تطبيق الأبيض بيدك. 
أحببت الفكرة، وغمست إصبعي في اللون، وبدأت أضيفه بحِرص، نقطة نقطة، ووجدت الأبيض قادر بالفعل على تغطية الأحمر بقوة. 
سألني بماذا تشعرين وأنت تضيفين الأبيض؟ قلت أشعر بأنني أُُطبطب على نفسي. 

وأخذت أُطبطب عليها إلى أن غطّيت الأحمر بالكامل. وكان ملمس وشكل الأبيض على اللوحة يشبه تمامًا المرهم أو الزبادي عندما نضعه على جزء محروق من جلدنا. 

قال لي انظري للّوحة ثانيةً. بماذا تشعرين الآن؟ أجبت هي لا زالت مُلخبطة بعض الشيء، لكنها صارت أفضل بكثير. 
سألني أين تشعرين الآن بالراحة في جسمك؟ ردَدْت المغص راح

إذا أعجبتك هذه المقالة، أشترك في المجلة لتصلك مقالاتنا في بريدك الالكتروني **

One comment

اترك تعليقًا

إملأ الحقول أدناه بالمعلومات المناسبة أو إضغط على إحدى الأيقونات لتسجيل الدخول:

شعار ووردبريس.كوم

أنت تعلق بإستخدام حساب WordPress.com. تسجيل خروج   /  تغيير )

Google photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Google. تسجيل خروج   /  تغيير )

صورة تويتر

أنت تعلق بإستخدام حساب Twitter. تسجيل خروج   /  تغيير )

Facebook photo

أنت تعلق بإستخدام حساب Facebook. تسجيل خروج   /  تغيير )

Connecting to %s