الفتيات على أرض الملعب: كيف يطالبن بمساحاتهن عبر كرة القدم في مصر

٢٧ أبريل ٢٠٢٦
د. شيماء البنا


في مساءٍ بارد من أيام القاهرة، تضيء كشافات أحد الأندية الخاصة لتكشف عن مجموعة من الفتيات تتراوح أعمارهن بين 12 و16 عامًا. يربطن أحذيتهن الرياضية، ويبدأن الجري في الملعب استعدادًا للتدريب. للوهلة الأولى، يبدو الأمر كأي حصة رياضية عادية—تمريرات، تسديدات على المرمى، وصيحات من المدرب. لكن بالنسبة لي، كان الأمر شخصيًا إلى حد بعيد.

أنا باحثة وأم لإحدى هؤلاء اللاعبات. هذا المقال يستند إلى بحث ميداني قمت به عام 2023 ضمن رسالة الماجستير في دراسات النوع الاجتماعي والتنمية بجامعة القاهرة، حيث رصدت تجارب الفتيات في أكاديمية كرة القدم وكيف يواجهن حدودًا ويفتحن مساحات جديدة لوجودهن. ما شهدته لم يكن مجرد تدريب كروي، بل كان عملية تفاوض على الحق في الوجود والحرية والانتماء. فهؤلاء الفتيات لا يتعلمن فقط لعب الكرة؛ بل يتعلمن كيف يطالبن بمكان لهن في مجتمع يضيّق آفاقهن باستمرار.

دعوات محدودة
حين أطلق أحد الأندية الخاصة أكاديمية للفتيات عام 2014، اعتُبر ذلك خطوة متقدمة. لكن حتى التقدّم يأتي بشروط. فبينما يتمتع الأولاد بجداول تدريب يومية وخيارات واسعة حسب العمر والمستوى، تُمنح الفتيات حصتين أسبوعيًا فقط، مدتهما ساعة واحدة. الرسالة واضحة: نعم، يمكن للفتيات أن يلعبن، ولكن في مساحة صغيرة رُسمت لهن دون مشاركتهن.

ذهنية قديمة في ملعب جديد
داخل الملعب، تتجلى الفوارق الجندرية بوضوح. في مباراة مختلطة، صاح مدرّب الأولاد: “لو بنت سجلت هدف، أنتم لستم رجالًا بحق!”. في موقف آخر، وُضع فتى في الثانية عشرة كحارس مرمى أمام فتيات أكبر سنًا، وتعرّض للتهكم والصراخ كلما استقبل هدفًا.

حتى المظهر أصبح ساحة للجدل. طُلب من الفتيات الامتناع عن ارتداء “شورتات” أو “ليجنز” ضيقة، بينما لم يواجه الأولاد أي ملاحظات مشابهة. وكأن أجساد الفتيات وحدها موضع رقابة، لا سلوك الأولاد.

مع ذلك، كانت هناك لحظات مقاومة. المدربة الأنثى كانت دائمًا تذكّر اللاعبات أن كرة القدم لهن أيضًا، وتدافع عن حقهن في الشعور بالأمان والثقة. بعض الأهالي كذلك لعبوا دورًا مشجعًا—مثل الأب الذي أجاب على تساؤل ابنتيه بدهشة: “كرة القدم مثل أي رياضة، للبنات والأولاد معًا.”

مساحات مُنتزعة
أكثر اللحظات إلهامًا جاءت من خارج الأكاديمية الرسمية. بعض الفتيات بدأن باستئجار ملاعب بعد التدريب لخوض مبارياتهن الخاصة—وأحيانًا ضد فرق أولاد. أخريات نجحن في إدخال اللعبة إلى مدارسهن، بل إن بعض المدارس شكّلت فرقًا للبنات. وعلى “تيك توك”، تنشر اللاعبات مقاطع لتمريراتهن وتسديداتهن، ما ألهم فتيات جديدات للانضمام.

هذه مساحات مُنتزعة، لم يمنحها أحد للفتيات بل صنعنها بأنفسهن. لكنها تبقى هشة ومعرّضة للرفض أو العنف، إذ قد يقابلها الأولاد بالخشونة أو السخرية. ومع ذلك، فإن مجرد إصرار الفتيات على الوجود واللعب يظل فعلًا ثوريًا بحد ذاته.

أكثر من مجرد لعبة
كرة القدم بالنسبة لهؤلاء الفتيات ليست مجرد رياضة. هي مساحة للتعبير عن الذات، لاكتساب الثقة، ولتوسيع هامش الحرية في مجتمع يفتح آفاقه للأولاد ويضيّقها على البنات مع سن المراهقة.

مشهد يتغيّر ببطء (2024–2026)
بين عامي 2024 و2026، بدأت كرة القدم النسائية في مصر تشهد تحولات تدريجية، وإن كانت غير متساوية. على المستوى المؤسسي، ازداد الاهتمام النسبي بدعم الفرق النسائية وتوسيع قاعدة المشاركة، مع محاولات لتعزيز مسابقات الدوري وتشجيع الأندية على الاستثمار—ولو بشكل محدود—في فرق الفتيات. كما ظهرت مبادرات تدريبية أكثر احترافية، وسعت بعض الأكاديميات إلى تقديم فرص أفضل من حيث عدد الحصص وجودة التدريب مقارنة بالسنوات السابقة.

في الوقت نفسه، لعبت وسائل التواصل الاجتماعي دورًا متزايد الأهمية في إبراز اللاعبات الشابات، حيث أصبحت منصات مثل “تيك توك” و”إنستغرام” مساحة لعرض المهارات وتحدي الصور النمطية، بل وخلق نماذج يُحتذى بها لفتيات أخريات. هذا الحضور الرقمي ساهم في كسر العزلة التي كانت تعاني منها اللاعبات، وربطهن بمجتمعات أوسع من الدعم والتشجيع.

ومع ذلك، لا تزال الفجوات واضحة. فعدم تكافؤ الموارد بين فرق الأولاد والبنات مستمر، كما أن التغطية الإعلامية لكرة القدم النسائية تظل محدودة، وغالبًا ما تُعامل كملف ثانوي. كذلك، ما زالت بعض المواقف المجتمعية تُقيّد مشاركة الفتيات، خاصة مع التقدم في العمر، حيث تزداد الضغوط المرتبطة بالصورة النمطية والأدوار الجندرية.

لكن، ورغم هذه التحديات، يمكن القول إن هذه المرحلة تمثل “تثبيت الأقدام” أكثر من كونها انطلاقة كاملة. فعدد الفتيات المشاركات في اللعبة في ازدياد، والمساحات—رغم محدوديتها—أصبحت أكثر وضوحًا، والأصوات المطالِبة بالمساواة باتت أعلى.

إعادة رسم حدود الملعب
مع كل تمريرة وكل هدف، تعيد الفتيات رسم حدود من يحق له الوجود على أرض الملعب. وكما قال أحد الآباء وهو يتابع بناته من المدرجات: “هؤلاء الفتيات أفضل من بعض الأولاد. لماذا لا يلعبن؟”

في النهاية، كرة القدم في مصر لم تعد مجرد مباراة تنتهي بصفارة الحكم. بالنسبة للفتيات، هي معركة أوسع لإعادة تعريف المشاركة والحق في المساحات العامة في الملعب، وخارجه أيضًا.

أضف تعليق