١٨ مايو ٢٠٢٦
دينا المهدي
في عالم يُقاس فيه النجاح غالباً بالمسميات والألقاب الوظيفية، اختارت إيمان غازي طريقاً مختلفاً تماماً، طريقاً عنوانه الأثر المستدام وتغيير حياة الآخرين. اليوم، ومن موقعها كمديرة لقطاع استقطاب المواهب في شركة “أسباير لاستشارات الموارد البشرية” (Aspire HR Consultants)، تُصنف إيمان كواحدة من أبرز الأصوات القيادية والمؤثرة في مجال التوظيف في مصر. ومع ذلك، تظل رحلتها الإنسانية أعمق بكثير من أي لقب تحمله.
تخرجت إيمان من كلية الألسن (دفعة 2012) قسم اللغة الإنجليزية، ثم ثقّلت شغفها المهني بالحصول على دبلوم الموارد البشرية من الجامعة الأمريكية بالقاهرة. وبفضل دقتها ونزاهتها وفهمها العميق للطبيعة البشرية، نجحت في بناء مسيرة متميزة تقوم على ربط الأهداف الاستراتيجية للشركات بالطاقات الكامنة داخل البشر.
وبعيداً عن أروقة العمل، إيمان هي أم وزوجة مخلصة، تستمد قوتها وثباتها من عائلتها. هذا التوازن الدقيق بين حياتها الشخصية والمهنية شكّل منها قائدة تقود بالتعاطف، والأصالة، والتميز.
ولم يكن هذا الأثر ليمر دون تقدير؛ ففي عام 2021 تم اختيارها ضمن قائمة “أفضل 50 سيدة تأثيراً في مصر” من قِبل مبادرة نساء مصر (WOE)، وفي عام 2022 حظيت بتكريم وطني من “المجلس القومي للمرأة” كواحدة من الشخصيات النسائية الملهمة، وتوّجت هذه المسيرة مؤخراً في عام 2025 بحصولها على جائزة “مؤثرات مصريات” (Women of Impact)—وهي تكريمات لا توثق نجاحها الفردي بقدر ما توثق حجم الأثر الإيجابي الذي تتركه في حياة من حولها.
التقينا بها في هذا الحوار الشيق لنتحدث عن كواليس هذه الرحلة:
سيدات مصر: من وجهة نظرك، ما هي أكبر التحديات التي لا تزال تواجهها المرأة اليوم؟
إيمان غازي: نظرتي للتحديات دي اختلف بشكل جذري مع الوقت. قبل ما أكون أم، كنت بشوف تحديات المرأة من منظور “تقليدي” شوية، زي المساواة، الأمان، وإزاي تقدر تحقق توازن بين شغلها وحياتها.
لكن بعد ما جربت إحساس الأمومة، وعيي وفهمي للأمور اتنقل لمستوى تاني خالص وأعمق بكتير. اتولد جوايا شعور قوي جداً بالتعاطف والتقدير لكل امرأة عاملة، وبالأخص الأمهات. بقيت بشوف وبحس كم المجهود الرهيب اللي بت بذله كل يوم؛ بداية من صحيان الصبح بدري، إدارة البيت، تحضير الأطفال للمدارس، الجري عشان تلحق شغلها، وبعد ما يخلص الشغل ترجع تاني عشان تكمل مسؤوليات التربية والتعليم والدعم النفسي والعاطفي لأولادها.
وكل المجهود ده مطلوب منها تعمله وهي بتشتغل وتنتج بشكل طبيعي تماماً، ومن غير ما يكون فيه تقدير واضح أو مرئي للضغوط الشخصية والنفسية أو حتى الجسدية اللي ممكن تكون بتمر بيها في نفس الوقت. الحقيقة إن ستات كتير شايلين فوق كتافهم تحديات غير مرئية، ورغم كده بيصمّموا يظهروا كل يوم بكامل قوتهم ويحققوا نجاحات.
واللي بيزود الأمر تعقيداً هو البيئة اللي بنربي فيها أولادنا النهاردة، مع ضغوط التكنولوجيا، وسائل التواصل الاجتماعي، والتغيرات السريعة اللي حوالينا. المرأة مابقتش بس بتدير وقتها، دي بتحاول تربي أطفال متزنين نفسياً وعاطفياً في عالم مليان ضغوط وصعب جداً. عشان كده بشوف إن أكبر تحدي بتواجهه المرأة النهاردة هو إزاي تقدر تحافظ على سلامتها النفسية، العاطفية، والجسدية، وهي بتحاول توازن بين كل المسؤوليات والتوقعات دي.
منظوري للتمكين الحقيقي إنه أعمق بكتير من مجرد قوانين وسياسات بتتكتب؛ التمكين هو الفهم الصادق لواقع المرأة، إننا نمرر لها مساحة من المرونة والأمان النفسي، ونخلق ثقافة في العمل بتتعامل مع المرأة كإنسان أولاً. لما الست بتحس بالدعم الحقيقي ده، مش بس بتتعايش.. دي بتبدع وتقود.
س م: كقائدة، كموظفة، وزوجة، وأم.. إزاي بتتعاملي مع معادلة “التوازن بين الحياة والعمل”؟ وإيه النصيحة اللي بتقدميها لكل ست بتسعى للنمو المهني وفي نفس الوقت عايشة حياة شخصية متزنة؟
إيمان غازي: بكل صراحة، أنا عمري ما وصلت لمرحلة “الإتقان الكامل” في فكرة التوازن دي. مرّت عليا أوقات كنت بحس فيها إن الحمل تقيل جداً ومستهلكة تماماً، لحد ما في شخص قالي جملة غيرت تفكيري: “كوني أكتر رفقاً بنفسك”. الجملة دي عاشت جوايا وغيرت نظرتي للأمور.
النهاردة, أنا بركز على المرونة وترتيب الأولويات أكتر من جريي وراء توازن مثالي وهمي كل يوم. واللي ساعدني جداً هو وجود مرونة في نظام شغلي؛ كنت محظوظة إننا في شركة “أسباير” كنا من أوائل الناس اللي طبقت مفهوم العمل عن بُعد والـ Flexible working، وده عمل فرق ضخم في طريقتي لإدارة وقتي وطاقتي.
لكن الأهم من كل ده، هو إني عمري ما كنت هقدر أنجح كموظفة أو كقائدة من غير “منظومة الدعم” اللي حواليا؛ مديري في الشغل، جوزي، وعيلتي. دعمهم كان وبيدل حجر الأساس في كل خطوة في طريقتي.
ونصيحتي لكل امرأة: ابني شبكة الدعم الخاصة بيكي، ما تحاوليش تعملي كل حاجة لوحدك، وخليكي رحيمة بنفسك. الموضوع كله بيتحل بترتيب الأولويات، مش بالوصول للمثالية.
س. م: تم اختيارك ضمن قائمة أفضل 50 سيدة تأثيراً في مصر، وحصلتِ على تكريم من المجلس القومي للمرأة، ومؤخراً جائزة “مؤثرات مصريات 2025”. المحطات دي بتعني لكِ إيه على المستويين الشخصي والمهني؟
إيمان غازي: على مدار رحلتي، كنت محظوظة بفضل ربنا إني أتكرم في محطات مختلفة كانت بتمثل لي كتير في وقتها. فاكرة لما شفت اسمي بالصدفة في قائمة أفضل 50 سيدة في مصر لسنة 2021 من قِبل مبادرة نساء مصر، كانت لحظة فخر وسعادة غامرة إني أكون وسط ستات ملهمات بالشكل ده. وبعدها جه تكريم المجلس القومي للمرأة كشخصية ملهمة، وده كان شرف كبير ليا.
ومؤخراً، حصولي على جائزة “مؤثرات مصريات 2025” من مبادرة نساء مصر كان شيء ممتنة ليه جداً. بالنسبة لي، التكريمات دي مش مجرد ألقاب؛ هي لحظات من الطبطبة، والتقدير، والدعم. بتفكرني دايماً إن التعب، والمجهود، والتحديات اللي مريت بيها كانت متشافة ومُقدرة.
أما على المستوى الشخصي، فأكتر حاجة لمست قلبي وبقت تعني لي الكثير، هي إني أشوف نظرة الفخر في عيون الناس القريبين مني. حبهم وفخرهم بيا هو اللي بيعطي الجوائز دي قيمتها الحقيقية.
س م: رحلتك بتعكس بوضوح معاني الصمود والإصرار في مواجهة التحديات الشخصية والمهنية. إزاي التجارب دي شكلت شخصيتك الحالية؟
إيمان غازي: الرحلة دي علمتني أكون أكتر صبراً، قوة، واستيعاباً للأمور. المواقف الصعبة اللي مريت بيها عرفتني إن النمو والنضج مابيجوش من الأوقات السهلة والمريحة.. بيجوا من قلب التحديات.
تعلمت إني أحافظ على هدوئي، آخد الأمور خطوة بخطوة، وما استسلمش بسهولة. التجارب دي كمان خلتني شخص أكتر تعاطفاً مع الآخرين، لأني بقيت عارفة ومقدرة إن كل شخص بنقابله شايل جواه معركة خاصة بيه ومحدش شايفها. التحديات بالنسبة لي النهاردة هي دروس غالية، مش بس شكلت كاريير ومسيرتي المهنية، دي شكلت جوهر الإنسانة اللي أنا عليها النهاردة.
س م: من التخرج في كلية الألسن، للوصول لمنصب مدير قطاع المواهب في Aspire HR.. إيه هي المحطات أو نقاط التحول الرئيسية اللي غيرت مجرى حياتك المهنية خلال العقد الأخير؟
إيمان غازي: واحدة من أكبر نقاط التحول في حياتي كانت توقيت تخرجي نفسه. أنا اتخرجت من كلية الألسن سنة 2012، في فترة كانت مليانة تحديات وتغييرات كبيرة جداً في السوق المصري، والفرص المتاحة كانت محدودة وقليلة. التوقيت ده بالذات هو اللي أجبرني وشجعني إني أكتشف مسارات مهنية جديدة ومختلفة تماماً عن اللي كنت برسمه لنفسي وأنا طالبة.
بدأت حياتي المهنية بالعمل في مشروع للمسؤولية المجتمعية (CSR) جوه شركة عالمية في قطاع السلع الاستهلاكية (FMCG). التجربة دي سابت جوايا أثر مستحيل يتنسي؛ شكلت نظرتي للعمل بشكل عام، وفهمت إن الشغل مش مجرد وظيفة بنروحها، بل هو فرصة حقيقية لإحداث تغيير ملموس في حياة الناس.
ودي كانت لحظة الإدراك الفاصلة بالنسبة لي؛ اكتشفت إن عالم التوظيف (Recruitment) مش بعيد أبداً عن فكرة المسؤولية المجتمعية.. الاتنين بيدوروا حوالين نفس الفكرة: مساعدة البشر، توجيههم، وأحياناً بكون سبب في تغيير مسار حياة شخص بالكامل للأفضل.
نقطة التحول التانية كانت بيئة العمل اللي بدأت فيها. كنت محظوظة جداً إني أكون جزء من مكان مبني على قيم وأخلاقيات عمل حقيقية وصارمة—وده شيء للأسف مش دايماً سهل نلاقيه. مكان كان بيحترم الإنسان أولاً، بيقدم مرونة، بيدعم العمل عن بُعد، وعنده استيعاب كامل لإن الموظف عنده التزامات وحياة وتحديات تانية برة حدود المكتب.
س م: بعد أكتر من عشر سنين من الإنجازات والنجاحات، إزاي بتعّرفي “النجاح” في مرحلتك الحالية؟
إيمان غازي: في المرحلة دي من حياتي، تعريفي للنجاح اتغير تماماً. مابقاش محصور في خانة الإنجازات، الألقاب، أو حتى الجوائز والتكريمات. النجاح بالنسبة لي النهاردة هو إني أكون عايشة في سلام نفسي وتصالح مع اختياراتي، إني أحس إني لسه بكبر وبتعلم، وإني بسيب أثر إيجابي وحقيقي في حياة الناس اللي حواليا—سواء في الشغل كموظفة وقائدة أو في بيتي وسط عيلتي.
وبصراحة شديدة، النجاح بالنسبة لي ليه بُعد إنساني دافئ جداً: إن الناس اللي بحبهم يكونوا فخورين بيا، وإن اسمي يتذكر بالخير دايماً قدام أولادي. الحاجة دي بتلمس قلبي بعمق. الموضوع كله بيتلخص في الرضا، والنمو، وإن الواحد يسيب وراه أثر طيب يعيش أكتر من أي منصب أو مسمى وظيفي.
س م: إيه هي أهم نصيحة تحبي توجهيها للشباب—وخصوصاً الخريجين الجدد—اللي بيواجهوا صعوبة في أول طريقهم أو مش عارفين يلاقوا الفرصة المناسبة؟
إيمان غازي: نصيحتي ليهم: أرجوكم ما تستسلموش لو حسيتوا إن الأمور بتمشي ببطء في الأول. طبيعي جداً وعادي جداً إنك مالاقيش الوظيفة المثالية أو “شغلانة أحلامك” فوراً بعد التخرج. ركز في المرحلة دي على إنك تتعلم وتبني نفسك خطوة بخطوة، واكتسب خبرة حتى من أصغر الفرص المتاحة قدامك.
والأهم من ده كله: أوعى تقارن بدايتك برحلة أي حد تاني. كل إنسان ليه توقيته الخاص والملائم ليه في الحياة.. ثق إن توقيتك ورحلتك هيجوا في ميعادهم المظبوط.


