لقاء خاص مع منة الله شركس: القيادة الحقيقية تبدأ بالناس لا بالأرقام

٢٩ يونيو ٢٠٢٦
حوار: دينا المهدي

تشغل منة الله منصب المدير العام لشركة “ليبتون تيز أند إنفيوجنز” مصر، حيث تقود أعمال واحدة من أبرز العلامات التجارية العالمية التي تمتد مسيرتها لأكثر من 100 عام.

تمتد المسيرة المهنية لمنة الله لأكثر من 27 عامًا في قطاع السلع الاستهلاكية سريعة التداول، حيث شغلت العديد من المناصب القيادية في شركتي “يونيليفر”، و “ليبتون تيز أند إنفيوجنز” مصر. وخلال هذه الرحلة المهنية، تولت مسؤوليات متنوعة في الإدارة العامة والمبيعات وتطوير الأعمال والإدارة المالية.

في عام 2018، اختارتها مجلة أموال الغد ضمن قائمة أكثر 50 سيدة تأثيرًا في مجتمع الأعمال المصري، كما حصلت في عام 2025 على جائزة «الأفضل في الأعمال» من الاتحاد العام للمستثمرين الأفروآسيويين، تقديرًا لدورها وتأثيرها في دعم الاقتصاد المصري.

سيدات مصر: بعد أكثر من 26 عامًا في قطاع السلع الاستهلاكية سريعة الحركة (FMCGs)، ما الذي لا يزال يثير شغفك وحماسك في عالم القيادة وإدارة الأعمال حتى اليوم؟

منة شركس: ما يمنحني الحماس اليوم هو نفس ما كان يمنحني الحماس في بداية مسيرتي المهنية: وهم الناس. بعيدًا عن الأرقام والخطط والاستراتيجيات، أشعر بسعادة حقيقية عندما أرى أحد أفراد فريقي يكتشف قدرات جديدة لديه أو يحقق خطوة مهمة في مسيرته المهنية. كما أن العمل مع فريق على فكرة أو مشروع ثم رؤية نتائجه على أرض الواقع يظل من أكثر الأمور التي تمنحني الطاقة والدافع للاستمرار. وبعد أكثر من 26 عامًا، ما زلت أؤمن بأن القيادة لا تقتصر على تحقيق النتائج فقط، بل تتمثل أيضًا في دعم الآخرين ومساعدتهم على التطور وتحقيق أفضل ما لديهم. وهذا ما يجعلني أستقبل كل يوم بنفس الحماس والرغبة في تقديم المزيد.

س م: عملتِ في أكثر من 25 سوقًا عبر آسيا وأفريقيا وأوروبا الشرقية. كيف أسهمت هذه التجارب المتنوعة واختلاف الثقافات والأسواق في تشكيل أسلوبك القيادي ورؤيتك للإدارة؟

م ش: كل سوق عملت فيه أضاف لي شيئًا جديدًا. عندما تعملين في بيئة مختلفة عن بيئتك، تتعلمين أهمية الاستماع وفهم الناس قبل إصدار أي أحكام أو افتراضات. كما أن العمل في أسواق تتغير بسرعة علّمني المرونة والقدرة على التكيف مع الظروف المختلفة. لكن أهم ما تعلمته هو أن الناس، مهما اختلفت ثقافاتهم أو خلفياتهم، لديهم احتياجات متشابهة. الجميع يريد أن يشعر بأن صوته مسموع، وأن هناك من يثق به ويقدّر ما يقدمه. هذه التجارب لم تؤثر فقط على أسلوبي في القيادة، بل غيّرت كثيرًا من أفكاري عن القيادة نفسها. اليوم أحرص دائمًا على أن أبدأ بالاستماع والفهم قبل اتخاذ أي موقف أو قرار.

 س م: هل شعرتِ يومًا أنكِ مطالبة ببذل مجهود مضاعف لإثبات نفسكِ داخل بيئة العمل؟ وكيف تعاملتِ مع ذلك؟

م ش: كنت محظوظة لأن معظم الأشخاص الذين عملت معهم خلال مسيرتي المهنية كانوا يقيّمون الأداء والكفاءة قبل أي شيء آخر، لذلك شعرت في كثير من الأحيان أن ما يحدد قيمتي هو ما أقدمه من نتائج.

لكن بالطبع كانت هناك مواقف شعرت فيها بأن هناك توقعات أو افتراضات مسبقة. وفي مثل هذه اللحظات قد تشعرين أنك مطالبة بإثبات نفسك بشكل أكبر. ما تعلمته مع الوقت هو أن الحل ليس في العمل بلا حدود لإقناع الآخرين باستحقاقك لمكانك، بل في أن تكوني واثقة من نفسك ومن قدراتك. عندما تؤمنين بقيمتك الحقيقية، يصبح التعامل مع هذه المواقف أسهل بكثير.

س م: تُعرفين بأسلوبك القيادي القائم على الحماس والطاقة الإيجابية. كيف تحافظين على تحفيز فرق العمل وإبقائهم متحمسين لتحقيق الأهداف، خاصة خلال فترات الضغوط التي تشهدها الأسواق؟

م ش: بكل صراحة، أستمد جزءًا كبيرًا من هذه الطاقة من الناس الذين أعمل معهم. عندما يحقق الفريق إنجازًا مهمًا أو أرى شخصًا يتطور وينجح، أشعر بدافع كبير للاستمرار. وفي الوقت نفسه، أؤمن بأن القائد لا يجب أن يتظاهر بأن كل شيء على ما يرام دائمًا. من المهم أن نكون صادقين مع فرقنا في الأوقات الصعبة، لأن الناس يشعرون بذلك. لذلك أتعامل مع التحديات بشفافية وأركز مع الفريق على ما نستطيع التأثير فيه بدلًا من الانشغال بما هو خارج نطاق سيطرتنا.

وأحرص دائمًا على تذكير الفريق بالهدف الأكبر من عملنا. في ليبتون تيز أند إنفيوجنز مصر، نحن لا نقدم مجرد منتج، بل نكون جزءًا من لحظات يومية يعيشها ملايين الناس. الشعور بقيمة ما نقوم به يمنحنا جميعًا دافعًا للاستمرار.

س م: ما أصعب مرحلة انتقال أو تغيير مررتِ به مهنيًا؟ وماذا اكتشفتِ عن نفسكِ خلالها؟

م ش: من أكثر التجارب التي أثرت فيّ عندما انتقلت للعمل خارج مصر للمرة الأولى. لم يكن قرارًا كنت أخطط له أو أبحث عنه، وفي البداية لم أشعر أنني كنت مستعدة لهذه الخطوة. ولكن عندما وجدت نفسي في بيئة مختلفة وأعمل مع أشخاص من ثقافات وأساليب تفكير متنوعة، بدأت أتعلم أشياء كثيرة عن نفسي. تعلمت كيف أتأقلم بسرعة، وكيف أجد نقاطًا مشتركة مع أشخاص يبدون مختلفين تمامًا عني.

عندما أنظر إلى تلك المرحلة اليوم، أستطيع القول إنها كانت من أهم التجارب في حياتي المهنية. جعلتني أكثر انفتاحًا وثقة، وأكدت لي أن النمو الحقيقي غالبًا ما يأتي عندما نخرج من منطقة الراحة ونمنح أنفسنا فرصة لتجربة شيء جديد.

س م: كيف تواجهين الخوف أو التردد قبل اتخاذ قرار مهني كبير قد يغيّر مسار حياتكِ؟

م ش: لا أحاول تجاهل الخوف أو التظاهر بأنه غير موجود. على العكس، أعتبره جزءًا طبيعيًا من أي قرار مهم. عندما أشعر بالخوف أسأل نفسي: هل هذا الخوف ناتج عن خطر حقيقي يجب الانتباه له، أم أنه مجرد خوف من المجهول؟

وفي كثير من الأحيان أكتشف أن السبب هو الخروج من منطقة الراحة وليس وجود خطر فعلي. عندها يصبح اتخاذ القرار أسهل. كما أحاول دائمًا التفكير في تكلفة عدم اتخاذ القرار، لأن البقاء في المكان نفسه قد يحمل مخاطر لا تقل عن مخاطر التغيير.

س م: في بيئة الأعمال السريعة وما تفرضه من ضغوط ومسؤوليات متزايدة، كيف تحافظين على توازنك الشخصي بعيدًا عن ضغوط العمل؟

م ش: أؤمن بأن التوازن لا يحدث من تلقاء نفسه، بل يحتاج إلى وعي وتنظيم. لذلك أحرص على التخطيط الجيد لوقتي، لأن العمل بطبيعته يمكن أن يستهلك كل المساحة المتاحة إذا لم نضع له حدودًا واضحة. كما أعتمد كثيرًا على شبكة الدعم الموجودة حولي، سواء كانت الأسرة أو الأصدقاء أو الأشخاص الذين أتعامل معهم في حياتي اليومية. هؤلاء يساعدونني على الحفاظ على توازني ويذكرونني دائمًا بأن هناك حياة أوسع من العمل والمناصب.

وكذلك أؤمن بأهمية تحديد الأولويات، لأننا لا نستطيع القيام بكل شيء في الوقت نفسه. والتوازن الحقيقي لا يقتصر على إدارة المسؤوليات فحسب، بل يتطلب أيضًا أن نمنح أنفسنا مساحة للتوقف وإعادة الشحن. لذلك أخصص وقتًا لنفسي بشكل منتظم، ومن أكثر ما أستمتع به المشي، لأنه يمنحني فرصة للتفكير بهدوء وإعادة ترتيب أفكاري بعيدًا عن ضغوط اليوم.

س م: تم اختياركِ ضمن أكثر السيدات تأثيرًا في مجتمع الأعمال المصري. هل غيّر النجاح علاقتكِ بالطموح أو طريقة تعاملكِ مع الضغوط والتوقعات المتزايدة؟؟

م ش: النجاح غيّر نظرتي للكثير من الأمور. في المراحل الأولى من المسيرة المهنية يكون التركيز غالبًا على تحقيق الإنجازات والتقدم إلى الخطوة التالية. لكن مع الوقت يصبح التفكير أكثر ارتباطًا بالأثر الذي تتركينه وراءك.

اليوم أفكر أكثر في نوع القيادة التي أقدمها للجيل القادم، وفي الفرص التي يمكن أن أساهم في توفيرها للنساء الشابات اللواتي يبدأن مسيرتهن المهنية. وأشعر أن المسؤولية تزداد كلما زاد تأثيرك أو حضورك، لذلك أحاول أن أستغل هذه الفرصة بطريقة إيجابية ومفيدة للآخرين.

س م: ما الذي تعنيه لكِ القيادة النسائية اليوم داخل الشركات العالمية؟

م ش: بالنسبة لي، القيادة لا ترتبط بجنس معين، بل بالكفاءة والقدرة على التأثير وتحقيق النتائج. لكنني أؤمن أيضًا بأن التنوع داخل فرق القيادة يضيف قيمة حقيقية للمؤسسات ويجعل قراراتها أكثر قوة وتوازنًا. وجود أشخاص من خلفيات وتجارب ووجهات نظر مختلفة يساعد الشركات على فهم الواقع بشكل أفضل واتخاذ قرارات أكثر شمولًا. وهذا ليس مجرد توجه أو شعار، بل ميزة حقيقية لأي مؤسسة تسعى للنجاح على المدى الطويل.

وفي ليبتون تيز أند إنفيوجنز مصر، تمثل النساء 50% من مجلس الإدارة، وأرى يوميًا كيف ينعكس هذا التنوع بشكل إيجابي على جودة النقاشات والقرارات.

 س م: كيف ترين أن “السقف الزجاجي” لا يزال يؤثر على تقدم النساء في مسيرتهن المهنية في عالم الشركات اليوم، وما هي التغييرات الهيكلية الأكثر إلحاحًا اللازمة لكسره؟

م ش: ما زال السقف الزجاجي موجودًا في بعض البيئات، لكنه لا يظهر بالشكل نفسه في كل مكان. أحيانًا يكون واضحًا، وأحيانًا يكون موجودًا في ممارسات أو أنظمة لم تُصمم في الأصل لتأخذ احتياجات الجميع في الاعتبار. لذلك أرى أن الحلول الحقيقية هي التي تعالج الأسباب من جذورها، مثل ضمان المساواة في الأجور، ووضع معايير واضحة وعادلة للترقيات، وتوفير برامج تدعم تطور النساء مهنيًا بشكل فعلي. لكن الأهم من ذلك هو بناء ثقافة مؤسسية يشعر فيها الجميع بأن مسؤولية تحقيق المساواة تقع على عاتق المؤسسة بأكملها، وليس على النساء وحدهن. عندما تصبح هذه القناعة جزءًا من الثقافة، يبدأ التغيير الحقيقي.

 س م: ما الأشياء البسيطة التي تمنح منة الله السلام الداخلي الحقيقي؟ وما الحلم الذي لا يزال يسكنكِ حتى اليوم وتسعين لتحقيقه؟

م ش: أكثر ما يمنحني السلام الداخلي هو اللحظات البسيطة. قضاء وقت مع الأشخاص الذين أحبهم، أو إجراء حديث صادق مع شخص قريب، أو الشعور بأنني استطعت مساعدة أحدهم أو إحداث فرق إيجابي في حياته. هذه اللحظات هي التي تمنحني شعورًا حقيقيًا بالرضا.

أما الحلم الذي ما زال يرافقني، فهو أن أرى المزيد من القيادات النسائية المصرية الواثقة من نفسها وقدراتها، دون أن تشعر بأنها بحاجة إلى إثبات استحقاقها في كل خطوة. إذا استطعت أن أساهم ولو بجزء بسيط في بناء هذه الثقة لدى الجيل القادم، فسأعتبر ذلك من أهم ما حققته في مسيرتي المهنية.

أضف تعليق