تطبيع العنف الرقمي: عندما يصبح الأذى “مجرد هزار”

١٨ يونيو ٢٠٢٦
قسمت مختار


كم مرة مررنا على تعليق ساخر في وسائل التواصل الاجتماعي، أو شاهدنا صورة نُشرت دون إذن صاحبها، أو قرأنا محادثة خاصة تحولت إلى “سكرين شوت” متداول بين الناس، ثم أكملنا التصفح وكأن شيئًا لم يحدث؟ وكم مرة سمعنا عبارات مثل: “دي مجرد هزار”، أو “كل الناس بتعمل كده”، أو “الموضوع حصل أونلاين بس”؟

المشكلة أن العنف الرقمي لا يبدأ دائمًا بتهديد مباشر أو ابتزاز أو هجوم واضح. في كثير من الأحيان يبدأ بسلوكيات بسيطة اعتدنا رؤيتها حتى توقفنا عن ملاحظتها. ومع التكرار، يتحول ما كان يُنظر إليه باعتباره تجاوزًا أو إساءة إلى أمر مألوف، وهنا تحديدًا تكمن خطورة ما يُعرف بتطبيع العنف الرقمي.

تطبيع العنف الرقمي لا يعني فقط انتشار السلوكيات المؤذية عبر الإنترنت، بل يعني قبولها أو التعايش معها أو التقليل من خطورتها. فعندما نعتبر التنمر نوعًا من المزاح، أو نصف انتهاك الخصوصية بأنه دليل على الثقة أو الاهتمام، أو نتجاهل أثر الشائعات والتشهير لأنهما يحدثان خلف الشاشات، فإننا نساهم، ربما دون قصد، في خلق بيئة تسمح باستمرار الأذى وتكراره.

في عالم أصبحت فيه التكنولوجيا جزءًا من تفاصيل حياتنا اليومية، لم يعد من الممكن الفصل بين الواقع والعالم الرقمي. فالكلمات التي تُكتب على الشاشة يمكن أن تترك جروحًا حقيقية، والصور التي تُنشر دون موافقة أصحابها قد تسبب إحراجًا أو ضررًا طويل الأمد، والمعلومات الشخصية التي تُتداول بلا إذن قد تعرض أصحابها لمخاطر لا يمكن التنبؤ بها. ومع ذلك، ما زال كثيرون يتعاملون مع هذه الممارسات باعتبارها أمورًا بسيطة لا تستحق التوقف عندها.

من أخطر مظاهر تطبيع العنف الرقمي ذلك الذي يرتدي ثوب “الهزار”. فكثير من التعليقات الساخرة أو الميمز أو المنشورات التي تستهدف شخصًا بعينه تُقدَّم على أنها دعابة بريئة، بينما يعيش الطرف الآخر تجربة مختلفة تمامًا. فالأذى لا يفقد صفته لأنه أضحك الآخرين، ومشاركة مجموعة كاملة في السخرية من شخص لا تجعل السلوك مقبولًا أو أقل ضررًا.

كما يظهر التطبيع في تعاملنا مع الخصوصية. فهناك من يرى أن معرفة كلمات المرور أو تفتيش الهاتف أو الاطلاع على الرسائل الخاصة أمر طبيعي بين الأصدقاء أو أفراد الأسرة أو الشركاء. لكن الحقيقة أن الثقة لا تعني إلغاء الحدود الشخصية، وأن احترام الخصوصية ليس رفاهية بل حق أساسي لكل إنسان، سواء في العالم الواقعي أو الرقمي.

وفي أحيان أخرى، يتخفى العنف الرقمي وراء ما يبدو فضولًا أو اهتمامًا. فمتابعة تحركات شخص باستمرار، أو مراقبة نشاطه على الإنترنت، أو إنشاء حسابات وهمية لمتابعته دون علمه، كلها سلوكيات قد تبدأ بدافع الفضول لكنها تنتهي بانتهاك الخصوصية وخلق شعور بعدم الأمان. والخط الفاصل بين الاهتمام والسيطرة يصبح أحيانًا أرق مما نتخيل.

أما الفكرة الأكثر خطورة فهي الاعتقاد بأن ما يحدث على الإنترنت يبقى محصورًا داخله. فالعنف الرقمي لا يتوقف عند الشاشة؛ بل يمتد إلى حياة الناس النفسية والاجتماعية والدراسية والمهنية. وقد يؤدي إلى القلق والعزلة وفقدان الثقة بالنفس، وقد يؤثر على العلاقات والفرص المهنية والسمعة الشخصية. ولهذا فإن التقليل من أثره بحجة أنه “مجرد أونلاين” يتجاهل حقيقة أن الأشخاص الذين يتعرضون له يعيشون نتائجه في حياتهم اليومية.

إن مواجهة العنف الرقمي لا تبدأ فقط بالإبلاغ عن المحتوى المسيء أو المطالبة بقوانين أكثر صرامة، بل تبدأ أيضًا بمراجعة السلوكيات التي اعتدنا عليها دون أن نسأل أنفسنا إن كانت صحيحة أو عادلة. تبدأ عندما نفكر قبل أن نشارك محتوى قد يضر شخصًا آخر، وعندما نحترم خصوصية الآخرين كما نرغب في أن تُحترم خصوصيتنا، وعندما نرفض المشاركة في السخرية أو التشهير حتى لو كان الجميع يفعل ذلك.

فالثقافة الرقمية لا تتشكل من خلال المنصات والتقنيات وحدها، بل من خلال السلوكيات التي نكررها كل يوم. وما نعتبره طبيعيًا اليوم سيصبح معيارًا للأجيال القادمة. لذلك، ربما حان الوقت لنتوقف ونسأل أنفسنا: ما الذي اعتدنا عليه حتى أصبحنا نراه عاديًا، رغم أنه يؤذي الآخرين؟

لأن بناء فضاء رقمي أكثر أمانًا لا يبدأ من التكنولوجيا، بل من الإنسان. ومن إدراك بسيط لكنه مهم: أن الاحترام والخصوصية والموافقة ليست استثناءات، بل هي القاعدة التي يجب أن تحكم كل تفاعل، سواء كان في الواقع أو خلف الشاشة.

أضف تعليق