٦ يوليو ٢٠٢٧
د. عبير الجمال

Photo by Ahmed Emad
لم أذهب إلى شبرا يلولة لأنسى. ذهبتُ لأنني لم أعد أعرف كيف أمضي وقتًا لا يُقاس بشيء.
خمس سنوات، كنا نقول لبعضنا إن الوقت استثمار. نؤجل الزواج حتى يستقر عمله، حتى تُرقّى أنا، حتى نمتلك شقة لا نستأجرها. كل تأجيل كان له مبرر، وكل مبرر كان يبدو، في حينه، أذكى من التسرع. لم أشعر يومًا أنني أنتظر. كنت أُخطط.
ثم سافر. ولم يكن السفر هو الخبر، كان مجرد مقدمة له. بعد أربعة أشهر، في مكالمة لم تتجاوز دقائق، قال إنه “لم يعد يراني ضمن حياته الجديدة.” لم يقل إنه لا يحبني. قال إنني لا أُناسبها. كأن الأمر مقاس، وأنا الجزء الذي لم يعد يوافق التصميم.
جلست بعدها أيامًا أراجع خمس سنوات كأنها مشروع فشل، أبحث عن الخطأ الذي لا بد أنني ارتكبته لأُستبعد بهذا الهدوء. ثم توقفت. لم يكن هناك خطأ يُصحَّح. كان هناك فقط قرار، اتُخذ في مكان لم أُستشار فيه.
فاطمة، التي تعمل عندنا منذ سنوات، هي من ذكرت الموسم. قالت إن قريتها تُقطف فيها الياسمين هذه الأيام، وإن النسوة يخرجن قبل الفجر، وإن الأجر على الوزن. لم أفهم يومها لماذا طلبتُ أن أذهب معها. ربما لأن الفكرة أن يُقاس شيء ما بوزنه فقط، لا بمكانه في خطة أكبر، بدت لي، في تلك اللحظة، راحة لا أستحقها.
خرجنا قبل الفجر بساعتين. الطريق من القاهرة إلى شبرا بلولة لم يكن قصيرًا، وبدا أطول مما هو عليه، ربما لأن فاطمة، بمجرد أن اقتربنا من القرية، تحوّلت. لم تعد المرأة التي تُرتّب بيتنا بصمت معتاد. صارت تتكلم بسرعة، تُشير إلى الحقول، تقول أسماء نساء سأقابلهن كأنني أعرفهن.
الحقل، حين وصلناه، لم يكن كما تخيلته. لم تكن هناك رومانسية في الأمر. كانت هناك عشرات النساء يتحركن بسرعة بين الصفوف، كشافات صغيرة مثبتة على جباههن تقطع زرقة ما قبل الفجر، وأياديهن تلتقط الأزهار البيضاء الصغيرة بحركة لا تخطئ، وكأن الأصابع تعرف الطريق قبل العين. لا وقت للتأمل. الياسمين يتفتح قبل الفجر بقليل، ويفقد قيمته إن تأخر القطف حتى تُشرق الشمس وتُذبله الحرارة. كل دقيقة لها ثمن.
حاولتُ. أعطتني فاطمة قفة قماش صغيرة أُعلّقها حول خصري لأضع فيها ما أقطفه، وبدأتُ. كانت حركتي بطيئة، مترددة، أقطف الزهرة وأتفحصها كأنني أشتريها من محل، بينما المرأة بجانبي تملأ يدها بعشر زهرات في الوقت الذي أقطف فيه واحدة. ضحكت مني بلطف، لا سخرية فيه، وقالت: “الوردة مش هتجريلك يا بنتي، بس الوقت هو اللي هيجري.”
لم أُصحح طريقتي بعدها. تركت القفة تمتلئ ببطء، وجلست على حافة الحقل أراقب.
Photo by Ahmed Emad
من هنا رأيتهن كما لم أرَ أحدًا منذ زمن.
الضوء لم يكن قد اكتمل بعد. زرقة ما قبل الفجر لا تزال معلّقة فوق الحقل، والياسمين فيها يبدو أبيض بشكل مبالغ فيه، كأنه يستضيء من ذاته لا من السماء. رائحته لم تكن كما عرفتها من قبل، معلّبة في زجاجة عطر أو معلّقة في هواء صالة استقبال. هنا كانت الرائحة كثيفة، رطبة، تحمل معها رائحة التراب المبلل والعرق أيضًا، وكأن العطر الذي أعرفه ليس سوى الجزء المُهذّب من شيء أكثر خشونة وحياة.
الأيدي لم تكن تتوقف. كانت السرعة نفسها تبدو كأنها لغة، كل امرأة تعرف إيقاعها الخاص، لا تنظر إلى يديها وهي تقطف، عيناها بدلًا من ذلك على الصف التالي، على المسافة المتبقية، على الوقت. بعضهن كنّ يغنّين، لا بصوت عالٍ، أقرب إلى دندنة، تتقطع أحيانًا حين تشتد سرعة القطف ثم تعود حين تخفّ قليلًا. لم يكن الغناء زخرفة. كان يبدو جزءًا من آلية الجسد نفسها، مثل التنفس.
امرأة في متوسط العمر، إلى يسار الحقل، كانت الأسرع. لاحظتها منذ البداية دون أن أقصد، لأن جسدها كان يتحرك بطريقة مختلفة عن البقية: لا توتر فيه، لا استعجال ظاهر رغم أن يديها كانتا الأسرع إطلاقًا. كأن السرعة عندها لم تكن مجهودًا، بل حالة طبيعية للجسد، مثل نبض القلب. سألت فاطمة عنها همسًا. قالت: “دي أم سعيد. بتكسب كل سنة. إيدها ما بتتعبش.”
لم أفهم وقتها ماذا تعني “ما بتتعبش” بالمعنى الذي قصدته فاطمة. فهمتها لاحقًا، حين رأيت أم سعيد تقف، بعد ساعات، لتُمدّد ظهرها للحظة واحدة فقط، ثم تعود، دون أن يظهر على وجهها أي أثر لما يجب أن يكون إرهاقًا. جسدها كان يعرف حدوده ويعمل داخلها بدقة، لا يتجاوزها فيتألم، ولا يتوقف عندها فيتباطأ. كان جسدًا في اتفاق تام مع ما يُطلب منه.
فكّرت، وأنا أراقب، في المسافة بين هذا الاتفاق وبين ما عشته أنا خلال السنوات الخمس الماضية. جسدي، طوال تلك السنوات، لم يكن يعمل بحسب حاجته، بل بحسب الجدول. أنام حين يسمح الوقت، لا حين يطلب الجسد. أُرجئ التعب كما أُرجئ كل شيء آخر، كأن التعب أيضًا قرار يمكن تأجيله إلى ما بعد تحقيق الهدف. لم أكن أعي، حتى تلك اللحظة، كم من الوقت أمضيته وأنا أُدير جسدي كموظف مُطالَب بالإنجاز، لا ككائن له إيقاعه الخاص.
الشمس بدأت تُطلّ. مع كل درجة ضوء إضافية، كانت الحركة تشتد، كأن النساء يتسابقن مع شيء لا أراه. فاطمة، حين لاحظت نظراتي، قالت: “الياسمين بيقفل مع الشمس يا دكتورة. اللي ما يتقطفش دلوقتي يتقطف بكرة بنص التمن.” الوقت هنا لم يكن مفهومًا مجردًا. كان له سعر، ملموسًا، محسوبًا بالقرش، وكان الجسد هو الأداة الوحيدة للتفاوض معه.
راقبتُ قفتي، شبه فارغة إلى جانبي، ولم أشعر بالخجل الذي توقعتُ أن أشعر به. لم آتِ لأُنافس. أتيت، كما اكتشفتُ للتو، لأتعلم كيف يبدو الجسد وهو غير مؤجَّل.
انتهى الحقل من جهته الأولى قبل أن ترتفع الشمس كاملة. توقف العمل فجأة، لا تدريجيًا، كأن إشارة غير مسموعة صدرت في اللحظة نفسها لكل النساء. بدأن يتجمعن قرب الميزان الكبير، أكياس الياسمين تُحمل على الرؤوس أو معلّقة بالساعد، والحديث ارتفع فجأة بعد ساعات من الصمت شبه الكامل.
أم سعيد كانت آخر من وصل إلى الميزان، لا لأنها تأخرت، بل لأنها استمرت في القطف حتى آخر ثانية ممكنة، كأنها لا تثق أن الوقت انتهى فعلًا حتى تُثبته الأرقام. حين وُضع كيسها على الميزان، ووقف الرجل المسؤول يقرأ الرقم بصوت عالٍ، ساد صمت قصير، ثم قال الرقم.
كان الأعلى في الحقل ذلك اليوم.
Photo by Ahmed Emad
لم يحدث ما توقعته. لم تبتسم أم سعيد ابتسامة مهذبة، ولم تُومئ برأسها شكرًا. جسدها تحرك قبل أن يتحرك وجهها: انتصبت أكثر، كأن العمود الفقري نفسه استقبل الخبر قبل العقل، ثم رفعت يدها إلى فمها وأطلقت زغرودة طويلة، عالية، متصاعدة، لا تشبه شيئًا سمعته من قبل في مناسبة رسمية أو عرس مُرتَّب. كانت الزغرودة كأنها تخرج من مكان أعمق من الحنجرة، من مكان لا علاقة له باللياقة أو المجاملة.
ثم، قبل أن تخفت زغرودتها، ردّت عليها امرأة أخرى بزغرودة ثانية، ثم ثالثة، ثم صار الحقل كله صوتًا واحدًا متصاعدًا، نساء لا يعرفن بعضهن بالضرورة معرفة وثيقة، يشتركن مع ذلك في هذه اللحظة كأنها فوزهن جميعًا. لم تكن هناك غيرة ظاهرة، ولا مجاملة باردة. كان هناك فقط جسد ابتهج، فأذن له الجسد المجاور أن يبتهج معه.
جلستُ هناك، على حافة الحقل، وشعرتُ بشيء يشبه الحسد، لكنه لم يكن حسدًا على المال، ولا حتى على الفوز. كان حسدًا على تلك السرعة: المسافة شبه المعدومة بين أن يشعر الجسد بشيء وأن يُعلنه. خمس سنوات من حياتي أمضيتها أُراجع كل شعور قبل أن أُظهره، أزنه، أتأكد أنه “يناسب” اللحظة، يناسبه هو، يناسب الخطة. وهنا امرأة لا تملك من الرفاهية ما أملك، تُطلق فرحتها في الهواء خلال ثوانٍ من وقوعها، دون مراجعة، دون تأجيل.
لم أُصفّق. لم أعرف إن كان التصفيق يليق بي هنا، أنا الغريبة، فبقيت صامتة أراقب، والزغاريد تتردد حولي كأنها موجة لا تسألني إن كنت أريد أن تبلّلني أم لا.
فاطمة، بجانبي، كانت تُصفّق وتُزغرد معهن، ثم التفتت إليّ فجأة، ورأت وجهي، وتوقفت عن الزغردة لحظة، لا لتسألني ما بي، بل لتمسك يدي بهدوء، كأنها تعرف أن ما يحدث بداخلي لا يحتاج سؤالًا.
عدتُ إلى القاهرة بعد الظهر، وقفتي لا تحمل إلا حفنة صغيرة من الياسمين، لا تكفي لشيء، لا تُباع ولا تُقطَّر. وضعتها في كوب ماء على مكتبي، ورأيتها، بعد يومين، تذبل كما تذبل كل زهرة لم تُقطف في وقتها المناسب. لم أشعر بخسارة. كنت قد فهمت، قبل أن تذبل، أن ما أخذته من ذلك الحقل لم يكن في الكيس أصلًا.


