١٠ يوليو ٢٠٢٦
كتبت : عبير سعد الدين

كم مرة شعرنا بالغضب ولم نستطع أن نعبر عنه؟
كم مرة أخفينا حزنًا خلف ابتسامة؟
وكم مرة سألنا أنفسنا: “أنا متضايق… لكن لا أعرف لماذا؟”
الحقيقة أن الإنسان لا يعيش بالأحداث فقط، بل يعيش بما يتركه كل حدث داخله من مشاعر. وعندما تبقى هذه المشاعر حبيسة النفس لفترات طويلة، قد تتحول إلى ضغوط تؤثر في طريقة تفكيرنا، وعلاقاتنا، وحتى نظرتنا لأنفسنا.
تؤكد نظريات علم النفس الإنساني، وعلى رأسها أفكار العالم Carl Rogers، أن الوعي بالمشاعر وتقبّلها يعدان من أهم خطوات النمو النفسي. كما يوضح Daniel Goleman في نظرية الذكاء العاطفي أن إدراك الإنسان لمشاعره وقدرته على التعبير عنها من أهم المهارات التي تساعده على التوازن النفسي والاجتماعي.
لكن ماذا لو لم نجد الكلمات؟ هنا يظهر الفن كلغة عالمية لا تحتاج إلى شرح. فالعديد من الدراسات تشير إلى أن الأنشطة الفنية تساعد على التعبير عن الانفعالات، وتنمية الوعي بالذات، وتنظيم المشاعر، لأنها تسمح للإنسان بتحويل ما يشعر به إلى صورة أو رمز يمكن رؤيته والتأمل فيه.
ومن خلال سنوات عملي في فن المصغرات، وتعاملي مع آلاف المشاركين من الأطفال والشباب والكبار، لاحظت أن الأشخاص غالبًا ما يعبرون عن أنفسهم بصدق عندما يبتعدون عن الأسئلة المباشرة، ويبدأون في بناء عالم صغير بأيديهم.
من هنا بدأت رحلة “منهج التعبير الذاتى بالمصغرات”.
يقوم المنهج على فكرة بسيطة وعميقة في الوقت نفسه؛ وهي أن الإنسان يستطيع أن يجسد مشاعره وأفكاره وذكرياته وأحلامه في نموذج مصغر يعبر عنه. فاختيار الألوان، والأشكال، والأماكن، وترتيب العناصر ليس أمرًا عشوائيًا، بل يحمل معاني شخصية تختلف من فرد لآخر.
قد يصنع أحد المشاركين بابًا مفتوحًا لأنه يتطلع إلى بداية جديدة، بينما يبني آخر منزلًا صغيرًا لأنه يبحث عن الشعور بالأمان، وقد يصمم شخص طريقًا طويلًا لأنه يرى حياته رحلة مليئة بالتحديات. لا توجد إجابة صحيحة أو خاطئة، لأن كل عمل يحكي قصة صاحبه.
في هذا المنهج لا أفسر مشاعر المشاركين نيابة عنهم، بل أساعدهم على اكتشاف معاني أعمالهم بأنفسهم من خلال الحوار والتأمل والأسئلة المفتوحة. فالهدف ليس إصدار الأحكام، وإنما زيادة الوعي بالذات، وهو ما تؤكد عليه مدارس علم النفس الحديثة.
لقد رأيت كثيرين يقولون بعد انتهاء التجربة: “هذه أول مرة أستطيع أن أرى ما بداخلي أمامي.” وهنا تكمن قوة المصغرات؛ فهي تجعل الأفكار والمشاعر المجردة شيئًا ملموسًا يمكن النظر إليه والتحدث عنه.
بعد التعبير الذاتى ليس بديلًا عن العلاج النفسي أو التشخيص الإكلينيكي، لكنه وسيلة إبداعية تساعد الإنسان على التعبير عن ذاته، واكتشاف مشاعره، وفهم نفسه بصورة أعمق، ويمكن الاستفادة منه في الأنشطة التعليمية والثقافية وبرامج تنمية المهارات والوعي بالذات.
أؤمن دائمًا أن كل إنسان يحمل داخله حكاية تستحق أن تُروى، وأن كل مصغر نصنعه ليس مجرد قطعة فنية، بل نافذة صغيرة نطل منها على عالمنا الداخلي… لأن التفاصيل الصغيرة قد تقول ما تعجز الكلمات عن قوله.
