٢١ يوليو ٢٠١٦
د. أسماء أسامة
عندما يُذكر العنف، يتجه الذهن غالبًا إلى الضرب أو الإيذاء الجسدي، لكن هناك نوعًا آخر من العنف قد يكون أشد قسوة وأطول أثرًا، وهو التلاعب النفسي. فهذا النوع من الإيذاء لا يترك آثارًا ظاهرة على الجسد، لكنه يترك جروحًا عميقة في النفس والثقة والكرامة.
التلاعب النفسي هو استخدام الكلمات أو المشاعر أو الصمت أو التخويف أو الشعور بالذنب للسيطرة على شخص آخر. يبدأ غالبًا بصورة خفية، فيجعل الضحية تشك في نفسها، وفي ذاكرتها، وفي قدرتها على اتخاذ القرار. ومع مرور الوقت، تفقد ثقتها بنفسها وتصبح أكثر اعتمادًا على الطرف الذي يمارس هذا السلوك.
ومن صور التلاعب النفسي التقليل المستمر من شأن الآخر، والسخرية من مشاعره، وإنكار الوقائع لإيهامه بأنه يتوهم، وتحميله مسئولية كل المشكلات، واستخدام الحب أو الاهتمام كوسيلة للعقاب أو المكافأة، والتهديد بالهجر أو الحرمان لإجباره على الخضوع. وقد تبدو هذه التصرفات بسيطة إذا وقعت مرة واحدة، لكنها عندما تتحول إلى نمط متكرر تصبح صورة واضحة من صور العنف.
تكمن خطورة التلاعب النفسي في أن الضحية قد لا تدرك أنها تتعرض للإيذاء. فهي تبرر تصرفات الطرف الآخر، وتلوم نفسها، وتحاول إرضاءه مهما كلفها ذلك، حتى تجد نفسها وقد فقدت إحساسها بقيمتها واستقلالها. وقد يؤدي هذا النوع من العنف إلى القلق المزمن، والاكتئاب، واضطرابات النوم، والعزلة الاجتماعية، وانخفاض تقدير الذات.
ومن المهم أن ندرك أن الاختلاف في الرأي، أو الغضب العابر، أو وقوع الأخطاء بين الناس، لا يعني بالضرورة وجود تلاعب نفسي. فالعلاقات الصحية تقوم على الاحترام المتبادل، والاعتراف بالخطأ، والحوار، بينما يقوم التلاعب النفسي على السيطرة والإضعاف المتعمد للطرف الآخر، وجعله يشعر بأنه أقل قيمة أو أنه لا يستطيع الاستغناء عن المسيء إليه.
إن مواجهة التلاعب النفسي تبدأ بالوعي. فمعرفة أن هذا السلوك هو شكل من أشكال العنف تساعد الضحية على فهم ما يحدث لها، ووضع حدود صحية، وطلب الدعم من أشخاص تثق بهم أو من مختصين عند الحاجة. كما أن المجتمع مطالب بعدم التقليل من آثار هذا النوع من الإيذاء، لأن الألم النفسي قد يكون عميقًا بقدر الألم الجسدي، بل قد يستمر أثره سنوات طويلة.
في النهاية، يبقى الاحترام أساس كل علاقة سليمة. فالحب الحقيقي لا يقوم على التخويف، ولا على التحكم، ولا على إلغاء شخصية الآخر، بل يقوم على الأمان والثقة والحرية والكرامة. وكل علاقة تجعل الإنسان يفقد نفسه تدريجيًا ليست علاقة صحية، بل إنذار يستحق الانتباه، لأن التلاعب النفسي ليس مجرد سلوك سيئ… بل هو شكل من أشكال العنف الذي يستحق الاعتراف به ومواجهته.

