٢٠ يوليو ٢٠٢٦
كتبت أد. جيهان رجب
أستاذ بجامعة عين شمس

في الوقت الذي يسابق فيه العالم الزمن لابتكار تقنيات ذكاء اصطناعي وعوالم افتراضية مبهرة، لا تزال الفتيات والنساء في مجتمعاتنا يواجهن معركة من طراز بدائي جداً، ولكن أدواتها رقمية. عندما تتعرض فتاة لابتزاز إلكتروني، أو تفبرك صورها، أو تقع ضحية لتحرش رقمي، يحدث تحول مرعب في بوصلة العدالة المجتمعية؛ فبدلاً من أن تتجه الأنظار نحو الجاني لمحاسبته، تنعكس الأضواء الكاشفة على الضحية، ويبدأ سيل من الأسئلة التحقيقية: “لماذا أرسلت صورتك؟”، “ماذا كنتِ تفعلين على هذا التطبيق؟”، “أنت من جلب هذا لنفسه”.
هذه الظاهرة، المعروفة بـ “لوم الضحية” (Victim-Blaming)، تحولت إلى مقصلة نفسية واجتماعية ترفع في وجه كل فتاة تقرر كسر صمتها. إنها الجريمة الثانية التي ترتكب بحق الضحية، وهي أشد فتكاً من الجريمة الأولى لأنها تأتي ممن يفترض بهم تقديم الحماية.
البيئة الحاضنة للمجرمين…يؤكد خبراء علم الاجتماع أن ثقافة لوم الضحية لا تحمي المجتمع كما يظن البعض خطأً، بل هي “الوقود الحقيقي” الذي يقتات عليه المجرم الرقمي. عندما يدرك المبتز أو المتحرش أن المجتمع سيتكفل بالهجوم على الفتاة ووصمها، فإنه يشعر بأمان مطلق يدفعه لتكرار جريمته مع ضحايا آخرين.
في المقابل، تدفع هذه الثقافة الفتيات إلى الانزواء، والصمت، والخوف من الإبلاغ، مما يترتب عليه آثار نفسية مدمرة قد تصل في بعض الأحيان إلى الانتحار، خوفاً من “الفضيحة” المجتمعية التي لا ترحم.
”إن لوم الضحية هو تصريح مجاني للمبتز الإلكتروني للاستمرار في جرائمه تحت غطاء من الحماية المجتمعية غير الواعية.”
كيف نغير هذه الثقافة؟ خطة عمل للمجتمع
إن تفكيك هذه الثقافة المتجذرة ليس مستحيلاً، ولكنه يتطلب تضافر جهود حقيقية على عدة مستويات:
1. الأمان الأسري أولاً (الملاذ الآمن): تبدأ المواجهة من المنزل. يجب أن تتربى الفتاة على اليقين بأن أسرتها هي خط الدفاع الأول عنها، وليست المحكمة التي تقاضيها. عندما تشعر الابنة بأنها تستطيع القول: “أنا في مشكلة رقمية” دون الخوف من القتل المعنوي أو الجسدي، نكون قد قطعنا نصف الطريق نحو الحل.
2. إعادة صياغة الخطاب الإعلامي والديني: على وسائل الإعلام والمنابر الدينية التوقف عن ربط الجريمة الإلكترونية بسلوك الضحية. يجب أن يكون الخطاب واضحاً وحاسماً: الابتزاز جريمة، والتحرش جريمة، والفاعل هو المخطط والآثم الوحيد، بغض النظر عن أي سياق آخر.
3. التوعية القانونية وتسهيل الإبلاغ: يجب نشر الوعي بوجود “مباحث الإنترنت” والجهات القانونية التي تتعامل مع هذه القضايا بسرية تامة. عندما ترى الفتيات نماذج حقيقية لمجرمين تم سجنهم ودعم كامل للضحايا، ستتحول الشجاعة من حالة فردية إلى سلوك عام.
4. التربية الرقمية للأجيال الجديدة:
تعليم الأطفال والمراهقين في المدارس مفاهيم “المواطنة الرقمية” و”الحدود الشخصية على الإنترنت”، وزرع قيم التعاطف بدلاً من التنمر والشماتة.
حان وقت التغيير ….إن تغيير ثقافة “لوم الضحية” ليس مجرد تعاطف إنساني، بل هو ضرورة أمنية واجتماعية لحماية بناتنا وأخواتنا. يجب أن ننتقل كمجتمع من سؤال “لماذا حدث هذا لك؟” إلى قول “نحن معك، وأين هو المجرم لينال عقابه؟”.
الإنترنت فضاء افتراضي، لكن الأرواح التي تزهق والنفوس التي تحطم بسببه هي أرواح حقيقية للغاية. حان الوقت لننزع الغطاء عن المجرمين، ونعيد الأمان لمن يستحقه.
