ليست وحدها… كيف تعيد الجامعة بناء ثقة الفتاة بعد العنف الرقمي؟

١٢ اغسطس ٢٠٢٦
د. جيهان رجب


العنف الرقمي لا ينتهي عند لحظة نشر صورة أو تعليق جارح، بل قد تبدأ معاناته الحقيقية بعد أن تغلق الفتاة هاتفها. فهناك من تدخل قاعة المحاضرات وهي تخفي دموعها، وتجلس بين زميلاتها وهي تخشى نظرات الآخرين، وتتجنب المشاركة أو الحديث خوفا من السخرية أو إعادة تداول ما تعرضت له. إنها ليست ضعيفة، لكنها تحمل عبئا نفسيا ثقيلا فرضه عليها اعتداء لم تختره.

فالفتاة التي تتعرض للعنف الرقمي قد تفقد إحساسها بالأمان، وتشعر بأن الجميع يحكم عليها، حتى وإن لم يكن ذلك صحيحا. وقد تتردد في الحضور إلى الجامعة، أو المشاركة في الأنشطة، أو تكوين صداقات جديدة، لأنها أصبحت تخشى الرفض أو التنمر أو تكرار التجربة. ومع الوقت تتراجع ثقتها بنفسها، ويضعف أداؤها الدراسي، وقد تفقد إيمانها بقدراتها ومستقبلها.

ومن هنا يصبح دور الجامعة أكبر من مجرد مؤسسة تمنح شهادة علمية، فهي بيئة تربوية وإنسانية مسؤولة عن حماية طالباتها، واحتوائهن، وإعادة بناء ثقتهن بأنفسهن.

ويبدأ هذا الدور بتوفير بيئة آمنة تشعر فيها الطالبة أنها مسموعة ومحترمة، وأن شكواها ستؤخذ بجدية وسرية كاملة. فوجود وحدة للدعم النفسي، ومستشارين متخصصين، وآلية واضحة للإبلاغ عن حالات العنف الرقمي، يمنح الطالبة شعورا بأنها ليست وحدها، وأن هناك من يقف إلى جانبها.

كما تستطيع الجامعة تنظيم حملات توعوية وورش عمل تعرف الطالبات بحقوقهن الرقمية، وطرق حماية الخصوصية، وكيفية التعامل مع الابتزاز أو التشهير الإلكتروني، وآليات الإبلاغ القانونية. فالمعرفة تمنح الفتاة قوة، وتقلل شعورها بالخوف والعجز.

ولا يقتصر الدعم على الجانب النفسي، بل يمتد إلى إعادة دمج الطالبة في الحياة الجامعية. ويمكن ذلك من خلال تشجيعها على المشاركة في الأنشطة الطلابية، والعمل التطوعي، والمسابقات، والفرق البحثية والثقافية، حتى تستعيد إحساسها بالإنجاز والانتماء، وتكتشف أن قيمتها أكبر بكثير من إساءة تعرضت لها على شاشة هاتف.

كما أن للكلمة الطيبة من أعضاء هيئة التدريس أثرا لا يقل أهمية عن أي برنامج علاجي. فعندما تشعر الطالبة بأن أستاذها يؤمن بقدراتها، ويشجعها على المشاركة، ويعاملها باحترام، تبدأ ثقتها بنفسها في العودة تدريجيا، وتدرك أن ما حدث لها لن يحدد مستقبلها.

وتلعب الزميلات أيضا دورا محوريا، فبدلا من تداول الشائعات أو الصمت أمام التنمر، يمكن أن يكن مصدر دعم واحتواء، وأن يرسلن رسالة واضحة بأن الضحية ليست مسؤولة عما تعرضت له، وأن المجتمع الجامعي يقف معها لا ضدها.

إن استعادة الثقة بالنفس ليست حدثا يحدث في يوم واحد، بل رحلة تبدأ عندما تشعر الفتاة بأنها آمنة، ومقبولة، ومحترمة، وقادرة على أن تبدأ من جديد. وكل موقف دعم، وكل كلمة تشجيع، وكل فرصة تمنح لها لتنجح، هي خطوة جديدة نحو التعافي.

وفي النهاية…الجامعة الحقيقية لا تخرج طلابا متفوقين علميا فقط، بل تصنع إنسانا واثقا بنفسه، قادرا على تجاوز الأزمات، ومؤمنا بأن كرامته لا يمكن أن يسلبها تعليق أو منشور أو إساءة إلكترونية. وإذا كانت التكنولوجيا قد استخدمت لإيذاء فتاة، فإن الجامعة تستطيع بالعلم، والاحتواء، والإنسانية أن تعيد إليها الأمل، وأن تذكرها دائما بأنها أقوى من الإساءة، وأن مستقبلها أكبر من أي محاولة لتحطيمها.

فلنجعل جامعاتنا أماكن تبني الإنسان قبل أن تمنحه الشهادة، وتعيد للضحايا ثقتهم بأنفسهم قبل أن تطلب منهم النجاح. فالدعم الصادق قد يغير حياة فتاة كاملة، ويمنحها القوة لتبدأ من جديد.

أضف تعليق