٢١ أغسطس ٢٠٢٦
د. جيهان رجب
هناك فتاة تدخل الجامعة كل صباح، تحمل حقيبتها على كتفها، لكنها تحمل على قلبها ما هو أثقل بكثير. تعرضت لعنف رقمي، فأصبحت تخشى نظرات الآخرين، وتفسر كل همسة على أنها حديث عنها، وكل ضحكة على أنها سخرية منها. لم تعد كما كانت؛ اختفى صوتها، وقل حضورها، وأصبحت تميل إلى العزلة، ليس لأنها لا تحب الناس، ولكن لأنها تخشى أن يؤذوها مرة أخرى.
وفي مثل هذه اللحظات، قد لا يكون الطبيب أو المعالج النفسي هو أول من يلتقيها، بل يكون أول من يراها هم أصدقاؤها. وهنا يظهر الفرق بين صديق يكتفي بالمشاهدة، وصديق يمد يده لينقذ إنسانا من الانكسار.
إن الصديق الحقيقي لا يسأل بدافع الفضول، ولا يطلب معرفة التفاصيل التي تؤلم، ولا يعيد تداول ما حدث تحت اسم “الاهتمام”. بل يمنح صديقته شعورا بالأمان، ويجعلها تدرك أن قيمتها لم تتغير، وأنها ما زالت تستحق الحب والاحترام والتقدير.
وأول ما تحتاج إليه الفتاة بعد تعرضها للعنف الرقمي هو ألا تشعر بأنها أصبحت مختلفة في نظر من حولها. لذلك فإن أبسط التصرفات قد تصنع فرقا كبيرا؛ رسالة تطمئن عليها، مكالمة قصيرة، دعوة لتناول القهوة، الجلوس معها في المحاضرة، أو سؤال صادق: “كيف حالك اليوم؟”. هذه التفاصيل الصغيرة قد تكون بداية رحلة التعافي.
ولا ينبغي للأصدقاء أن يعاملوا الضحية بشفقة، لأن الشفقة قد تشعرها بأنها أصبحت ضعيفة. ما تحتاجه هو الدعم، والتشجيع، والإيمان بأنها قادرة على تجاوز ما حدث. فمن الجميل أن يقول لها أحدهم: “ما حدث لا يعرفك، ومستقبلك أكبر من أي إساءة.”
كما يستطيع الأصدقاء مساعدتها على الخروج من دائرة الألم بإعادتها تدريجيا إلى حياتها الطبيعية. يشجعونها على حضور المحاضرات، والمشاركة في الأنشطة، والخروج معهم، والضحك من جديد، وصناعة ذكريات جديدة تطغى على الذكرى المؤلمة. فالإنسان لا ينسى الألم لأنه أُجبر على نسيانه، وإنما لأنه وجد حياة أجمل تستحق أن يعيشها.
ومن المهم أيضا ألا يسمح الأصدقاء بانتشار الشائعات أو إعادة نشر المحتوى المسيء، وألا يقفوا موقف المتفرج. فالصمت أمام التنمر يمنحه قوة، أما كلمة حق أو موقف شجاع فقد يوقف الإساءة ويحمي الضحية.
وعندما يشعر الأصدقاء أن صديقتهم أصبحت أكثر انعزالا، أو فقدت رغبتها في الدراسة، أو تكرر حديثها عن اليأس والخوف، فلا يكتفوا بالمواساة، بل يشجعوها برفق على طلب المساعدة من الأسرة أو من مختص نفسي. فالصداقة الحقيقية لا تعني أن نتحمل العبء وحدنا، بل أن نرشد من نحب إلى الطريق الذي يساعده على التعافي.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقدمه الأصدقاء هو أن يعيدوا إلى صديقتهم صورتها التي كادت أن تنساها. يذكرونها بإنجازاتها، وبذكائها، وبطيبة قلبها، وبنجاحاتها السابقة، وبالأشخاص الذين يحبونها. فالعنف الرقمي يحاول أن يقنع الضحية بأنها لا تستحق الاحترام، بينما الصديق الحقيقي يعيد إليها اليقين بأنها أقوى من كل إساءة.
فالصداقة ليست كلمات مواساة فقط، بل حضور في وقت الغياب، ووفاء في وقت الخوف، واحتواء في وقت الانكسار. وقد تكون ضحكة صادقة بين الأصدقاء، أو نزهة بسيطة، أو جلسة مليئة بالأمل، بداية حقيقية لعودة الفتاة إلى نفسها.
وفي النهاية…ليس كل من يحيط بك صديقا، لكن الصديق الحقيقي هو من يتمسك بك عندما يبتعد الجميع، ويؤمن بك عندما تهتز ثقتك بنفسك، ويذكرك بقيمتك عندما يحاول الآخرون التقليل منها.
إذا كانت كلمات العنف الرقمي قادرة على أن تجرح، فإن كلمات الأصدقاء الصادقة قادرة على أن تداوي. وإذا كانت الإساءة قد سرقت من فتاة ابتسامتها، فإن صديقا وفيا قد يعيد إليها الحياة من جديد. فكونوا الأصدقاء الذين يداوون الجراح، لا الذين يزيدونها عمقا، فربما تكون كلمة دعم منكم بداية قصة تعاف لا تنسى.

