٢٠ أغسطس ٢٠٢٦
قسمت مختار
عندما ظهرت فلاتر الصور قبل سنوات، كانت مجرد وسيلة لإضافة لمسة جمالية للصورة؛ تحسين للإضاءة، أو لون أكثر دفئًا، أو تأثير فني يجعل الصورة أجمل. لكن مع تطور تطبيقات التواصل الاجتماعي، لم تعد الفلاتر تكتفي بتعديل الصورة، بل أصبحت قادرة على تغيير ملامح الوجه نفسه؛ تصغير الأنف، وتكبير العينين، ونفخ الشفاه، وتنعيم البشرة، وإخفاء التجاعيد، وتغيير شكل الفك والخدين.
وهنا لم يعد السؤال: «هل تستخدمين فلترًا؟»، بل أصبح: هل تستطيعين نشر صورة بدون فلتر؟
وهنا تبدأ الحكاية.
تلتقط المرأة صورة لنفسها، ثم تضيف فلترًا يجعل بشرتها أكثر صفاءً، وعينيها أكثر اتساعًا، وملامحها أكثر تناسقًا. تنشر الصورة، فتنهال عليها الإعجابات والتعليقات التي تشيد بجمالها.
لكن المشكلة لا تكمن في الصورة المنشورة، بل في اللحظة التي تنظر فيها إلى صورتها الحقيقية لاحقًا، فتشعر أنها أقل جمالًا من النسخة المعدلة.
بمرور الوقت، لا تعود المرأة تقارن نفسها بالنساء الأخريات فقط، بل تبدأ في مقارنة نفسها… بنفسها.
بالنسخة التي صنعتها التكنولوجيا.
وإذا تصفحنا حسابات التواصل الاجتماعي، سنلاحظ شيئًا غريبًا: الوجوه أصبحت متشابهة. الأنف نفسه، والشفاه نفسها، والخدود نفسها، والبشرة نفسها.
وكأن هناك قالبًا واحدًا للجمال، والجميع يحاول الاقتراب منه.
اختفت التفاصيل الصغيرة التي كانت تجعل كل امرأة مختلفة ومميزة؛ النمش، وخطوط الابتسام، والتجاعيد الخفيفة، واختلاف ملامح الوجه… وكل ما كان يمنح الإنسان شخصيته.
وكأننا استبدلنا الجمال الحقيقي بصورة رقمية موحدة.
ومن السهل أن نلوم النساء على استخدام الفلاتر، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا. فكثيرات لا يستخدمنها لأنهن يكرهن شكلهن، وإنما لأنهن يعشن في بيئة رقمية تفرض معايير شبه مستحيلة.
فالصور التي يشاهدنها يوميًا معدلة، والمشاهير يستخدمون الفلاتر، وصانعات المحتوى يستخدمنها، وحتى الصديقات يستخدمنها. فتشعر المرأة أن نشر صورة طبيعية قد يجعلها تبدو أقل جمالًا من الجميع، رغم أن الجميع في الحقيقة يستخدمون الأدوات نفسها.
شيئًا فشيئًا، يصبح استخدام الفلتر هو القاعدة، والصورة الطبيعية هي الاستثناء.
ولا يمكن أن نتجاهل الضغط الهائل الذي تتعرض له النساء على الإنترنت. تعليق ساخر على التجاعيد، ملاحظة عن الهالات السوداء، انتقاد لزيادة الوزن، أو سخرية من البشرة أو الشعر أو العمر.
قد تبدو هذه التعليقات بسيطة للبعض، لكنها قد تدفع كثيرًا من النساء إلى البحث عن «نسخة أكثر قبولًا» قبل نشر أي صورة.
والمفارقة أن المرأة قد تتعرض للانتقاد إذا ظهرت بدون فلتر، ثم تتعرض للسخرية أيضًا إذا اكتشف الآخرون أنها تستخدم الفلاتر.
وكأنها مطالبة بالكمال… دون أن تظهر أنها تحاول الوصول إليه.
ويصبح الأمر أكثر حساسية عندما نتحدث عن المراهقات. ففتاة في الثالثة عشرة أو الرابعة عشرة من عمرها تقضي ساعات يوميًا على وسائل التواصل الاجتماعي، وتشاهد آلاف الوجوه التي تبدو مثالية.
هي لا ترى الفلاتر، ولا ترى برامج التعديل، ولا ترى عشرات الصور التي تم حذفها قبل اختيار الصورة النهائية.
كل ما تراه هو «الجمال».
فتبدأ في الاعتقاد أن هذا هو الشكل الطبيعي الذي يجب أن تبدو عليه.
ومع الوقت، قد تصبح غير راضية عن ملامحها الطبيعية، رغم أنها لم تكن ترى فيها أي مشكلة من قبل.
وهنا تبدأ التكنولوجيا في تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى أنفسنا. وتشير دراسات عديدة إلى أن الاستخدام المكثف لفلاتر التجميل قد يرتبط بزيادة عدم الرضا عن المظهر وارتفاع المقارنات الاجتماعية، خاصة بين المراهقات والشابات.
في هذه الحالة، لا يعود الفلتر مجرد وسيلة لتحسين الصورة، بل يصبح أداة تؤثر في نظرة الإنسان إلى نفسه.
فبعض الأشخاص يعتادون رؤية وجوههم بالفلاتر إلى درجة أنهم يشعرون بالانزعاج عندما ينظرون إلى المرآة.
ليس لأنهم تغيروا…
بل لأن توقعاتهم أصبحت مختلفة.
وهنا يطرح السؤال نفسه: هل أصبح الجمال الطبيعي غير كافٍ؟
قبل سنوات، كانت الصورة الجميلة تعني ابتسامة صادقة أو لحظة سعيدة. أما اليوم، فأصبحت الصورة «الناجحة» في نظر كثيرين هي الصورة الأقرب إلى الكمال.
لكن الجمال الحقيقي لم يكن يومًا خاليًا من العيوب.
التجاعيد تحكي قصة عمر.
والنمش يميز وجهًا عن آخر.
والابتسامة غير المثالية قد تكون أكثر دفئًا من أي فلتر.
وربما كانت هذه التفاصيل هي ما يجعلنا بشرًا.
وفي الوقت نفسه، ليس كل استخدام للفلاتر خطأ. قد تستخدم المرأة فلترًا لتحسين الإضاءة، أو لإخفاء أثر يوم طويل من الإرهاق، أو ببساطة لأنها تستمتع بالمؤثرات البصرية.
ولا يوجد ما يمنع ذلك.
المشكلة تبدأ عندما يصبح الفلتر شرطًا لرؤية أنفسنا بشكل جميل.
عندما نفقد القدرة على تقبل صورتنا الحقيقية.
وعندما يصبح وجهنا الحقيقي هو الذي يبدو غريبًا بالنسبة إلينا.
وهناك جانب آخر لا نتحدث عنه كثيرًا، وهو علاقة الفلاتر بالعنف الرقمي. فالعنف الرقمي لا يقتصر على التنمر أو الإساءة المباشرة، بل يشمل أيضًا البيئة التي تدفع النساء إلى الشعور بأن عليهن تعديل أنفسهن حتى يتجنبن الانتقاد.
فعندما تُهاجم امرأة بسبب شكلها، أو عمرها، أو لون بشرتها، أو وزنها، فإن الرسالة التي تصل إليها واضحة: «عدّلي نفسك حتى تُقبلي».
وبهذه الطريقة، تصبح الفلاتر أحيانًا استجابة لضغط رقمي مستمر، وليس مجرد خيار تجميلي.
ولا يتوقف الأمر عند هذا الحد. فكلما شعرت المرأة أنها غير كافية، زادت احتمالات بحثها عن منتج تجميل جديد، أو تجربة إجراء تجميلي، أو الاشتراك في تطبيق يقدم مزيدًا من أدوات التعديل.
هناك صناعة كاملة تستفيد من شعورنا الدائم بأننا بحاجة إلى «نسخة أفضل» من أنفسنا.
بينما الحقيقة أن كثيرًا مما نطمح إلى الوصول إليه… غير موجود أصلًا، لأنه نتاج برامج تعديل الصور والذكاء الاصطناعي.
لذلك ربما لسنا بحاجة إلى إعلان حرب على الفلاتر، ولا إلى مطالبة النساء بالتوقف عن استخدامها.
لكن ربما نحتاج إلى فلتر من نوع آخر…
فلتر يزيل المقارنات، ويخفف ضغط المعايير المستحيلة، ويذكرنا بأن قيمة الإنسان لا تُقاس بعدد الإعجابات، ولا بدرجة نعومة البشرة في صورة، ولا بملامح صممتها خوارزمية.
لأن أجمل ما في الإنسان ليس أنه يبدو مثاليًا…
بل أنه يبدو حقيقيًا.
وربما يكون السؤال الذي يستحق أن نطرحه على أنفسنا اليوم ليس:
«أي فلتر يجعل صورتي أجمل؟»
بل:
«هل ما زلت أستطيع أن أحب صورتي… بدون أي فلتر؟»

