العنف الرقمي… حين تتحول الكلمات إلى ندوب لا يراها أحد

١١ سبتمبر ٢-٢٦
كتبت : ا.د جيهان رجب

في عصر أصبحت فيه الشاشات نافذتنا على العالم، لم يعد العنف يقتصر على الضرب أو الصراخ أو المواجهة المباشرة، بل ظهر نوع جديد أكثر هدوءا وأكثر خطورة، هو العنف الرقمي. قد يبدأ بتعليق ساخر، أو رسالة مهينة، أو صورة يتم تداولها دون إذن، أو إشاعة تنتشر بسرعة، لكنه لا ينتهي عند حدود الشاشة، بل يمتد إلى داخل الإنسان، حيث يترك جروحا لا تراها العين، لكنها تؤلم القلب والعقل معا.

يعتقد البعض أن ما يحدث على مواقع التواصل الاجتماعي مجرد مزاح أو اختلاف في الرأي، وأن الضحية يمكنها ببساطة إغلاق الهاتف أو حذف التطبيق، لكن الواقع مختلف تماما. فالإنسان لا يغلق مشاعره عندما يغلق هاتفه، ولا يستطيع أن يمحو الكلمات الجارحة من ذاكرته بضغطة زر. لذلك أصبح العنف الرقمي من أخطر التحديات التي تهدد الصحة النفسية، خاصة بين الشباب والأطفال.

إن أخطر ما يسببه العنف الرقمي أنه يسرق من الإنسان ثقته بنفسه شيئا فشيئا. فالضحية تبدأ في تصديق الإهانات التي تتعرض لها، وتشعر بأنها أقل قيمة من الآخرين، وتصبح خائفة من التعبير عن رأيها أو نشر صورة لها أو المشاركة في أي نشاط. ومع الوقت تتولد لديها مشاعر الخجل والذنب والقلق، رغم أنها لم ترتكب أي خطأ. وقد يصل الأمر إلى الانعزال عن الأسرة والأصدقاء، وفقدان الشغف بالدراسة أو العمل، واضطرابات النوم، والاكتئاب، والشعور الدائم بعدم الأمان.

ولأن العالم الرقمي سريع الانتشار، فإن الضحية تشعر أحيانا بأن الإساءة تلاحقها في كل مكان، وأن الجميع شاهدها أو شارك فيها، فيزداد إحساسها بالعجز واليأس. وهنا تكمن خطورة العنف الرقمي؛ فهو لا يهاجم الجسد، بل يهاجم تقدير الإنسان لذاته، ويقنعه بأنه ضعيف أو غير محبوب أو غير قادر على النجاح، بينما الحقيقة أن المشكلة ليست فيه، بل فيمن اختار أن يستخدم التكنولوجيا للإيذاء بدلا من البناء.

لكن، ورغم كل هذا الألم، فإن التعافي ممكن، والخروج من هذه الأزمة ليس مستحيلا.

أول خطوة هي أن يدرك الضحية أن الإساءة لا تعبر عن قيمته، وإنما تعكس أخلاق وسلوك من قام بها. فلا تجعل رأي شخص مؤذ أو مجموعة متنمرة يحدد نظرتك لنفسك أو لمستقبلك.

ثانيا، لا تواجه الألم وحدك. تحدث مع شخص تثق به؛ أحد والديك، أو صديق مقرب، أو معلم، أو مستشار نفسي. فالكلام عن الألم يخفف من ثقله، بينما الصمت يمنح المعتدي قوة أكبر.

ثالثا، لا تستمر في متابعة المسيء. استخدم خاصية الحظر والإبلاغ، واحتفظ بالأدلة إذا احتجت إلى اتخاذ إجراء قانوني. حماية نفسك ليست هروبا، بل هي شجاعة وحكمة.

رابعا، أعد بناء ثقتك بنفسك من جديد. مارس الأنشطة التي تحبها، واحتفل بإنجازاتك الصغيرة، وابتعد عن مقارنة نفسك بالآخرين. تذكر أن قيمتك لا تقاس بعدد الإعجابات أو التعليقات، بل بما تحمله من أخلاق، وقدرات، وإنجازات، وأثر طيب في حياة الآخرين.

خامسا، إذا شعرت أن الحزن أو القلق أو الخوف أصبح يؤثر في حياتك اليومية، فلا تتردد في طلب المساعدة من مختص نفسي. فالعلاج النفسي ليس دليلا على الضعف، بل هو خطوة شجاعة نحو استعادة حياتك.

كما أن المجتمع كله مسؤول عن مواجهة هذه الظاهرة. فالأسرة عليها أن تقترب من أبنائها وتستمع إليهم، والمدرسة والجامعة مطالبتان بنشر ثقافة الاحترام الرقمي، والمؤسسات الإعلامية مطالبة بالتوعية، وكل مستخدم للإنترنت مسؤول عن أن تكون كلماته مصدر دعم لا مصدر أذى.

في النهاية…قبل أن تكتب تعليقا، أو تعيد نشر صورة، أو تسخر من شخص خلف شاشة، تذكر أن الطرف الآخر إنسان له قلب ومشاعر وأحلام. قد تكون كلمة منك سببا في تحطيم ثقته بنفسه، وقد تكون كلمة طيبة سببا في إنقاذه من اليأس.

فلنجعل من الفضاء الرقمي مساحة للاحترام، لا ساحة للإساءة، وللدعم، لا للتنمر، وللإنسانية، لا للقسوة.

العنف الرقمي ليس مجرد كلمات على شاشة… إنه قد يترك ندوبا في النفس تستمر سنوات، أما الكلمة الطيبة فقد تصنع حياة جديدة. فاختر دائما أن تكون جزءا من الحل، لا جزءا من الألم.

أضف تعليق