١٠ سبتمبر ٢٠٢٦
ريم عماد
كان يا ما كان … نساء أكبر من الدنيا
في السادسة صباحاً، يتكرر مشهد بملايين النسخ خلف الأبواب المغلقة؛ امرأة توقظ أبناءها برفق، تتفقد حقائبهم، يبرد فنجان قهوتها على الطاولة في وسط انشغالها، وتدفع عائلتها نحو يوم جديد بابتسامة تطرد مخاوف الصباح. لن يلتقط أحد صورة لهذه اللحظة، ولن تنال مكافأة في نهاية اليوم، لكن العالم بالنسبة لتلك الدائرة الصغيرة يبدأ من هنا. في طفولتنا، كانت العبارة السحرية “كان يا مكان” تأخذنا نحو ممالك بعيدة وبطلات خارقات يرتدين التيجان. كبرنا، واكتشفنا أن قصص الخيال حصرت البطولة في بريق القصور، تماماً كما يفعل عالمنا المعاصر الذي أصيب بهوس “النجاح الصاخب”، وبات يزن قيمة الإنسان بحجم المنصب أو بوفرة المتابعين. وفي هذا الضجيج، غاب عن الأذهان أن هناك نساءً يمشين في صمت.. نساء قد يبدون عاديات جداً، لكنهن في جغرافيا الواقع.. أكبر من الدنيا.
كان يا مكان.. حكاية لم يكتبها أحد.
في الشهادات الموثقة عن حياة الأديب العالمي نجيب محفوظ، يبرز أثر والدته السيدة “جليلة سليم” كقوة خفية خلف نوبل العربية؛ إذ وصفها في حواراته بأنها كانت “مخزناً للثقافة الشعبية”، وكانت تأخذ بيده طفلاً ليطوفا بين متاحف مصر وآثارها، وتغرس في روحه صلتها بالهوية وتاريخ الحكاية. لم تكن تعلم وهي تمارس تفاصيل أمومتها اليومية الهادئة، أنها تسهم في بناء الوعي الذي سيغير وجه الأدب العربي. إن الإنجازات الهادئة هي التي تُبقي هذا العالم متماسكاً، وصناعة الوعي البشري تبدأ من بيئة تصنع الإنسان بسكينة.
لكن.. لماذا يبدو هذا العطاء بلا ثمن؟
تفسر الأرقام جانباً من هذا الصمت؛ إذ تشير تقارير منظمة العمل الدولية (ILO) وهيئة الأمم المتحدة للمرأة (UN Women) إلى أن النساء حول العالم يقضين مليارات الساعات يومياً في “العمل غير المأجور”—والذي يشمل الرعاية، والدعم النفسي، وإدارة المسؤوليات الأسرية. هذا الجهد الهائل هو المحرك الخفي للاستقرار المجتمعي، ومع ذلك، فهو جهد لا يدخل في حسابات الأرباح والخسائر الاقتصادية. خلف هذا الرقم الجاف تكمن سنوات من الرعاية والصبر على التدبير، كفعل وجودي يحمي الحياة اليومية من الجفاف.
كان يا مكان.. بطلة بلا جمهور..
وفي سيرة العالم أحمد زويل، نجد ملامح معركة يومية صامتة خاضتها والدته السيدة “فاطمة قنديل”؛ معركة لم تكن لحصد أمجاد شخصية، بل لتوفير بيئة دافئة تمتص توتر الأيام وتهدهد قلق الظروف بصبر، لتقدم للعالم فيما بعد عقلاً غير وجه الكيمياء. هذه التفاصيل تؤكد حقيقة نغفل عنها: ليس شرطاً أن يكون الأثر عابراً للقارات ليُسمى إنجازاً؛ فالأثر المتروك في نفوس الدائرة القريبة، وتربية عقول سوية في زمن معقد، هو من أدق صور البناء الإنساني.
كان يا مكان.. إنجاز لا يُعلَّق على الحائط…
ولا يتوقف الأمر عند حدود التاريخ؛ يكفي التطلع إلى تفاصيل واقعنا اليوم. هناك تجد الفتاة الجامعية التي توازن بين دراستها الشاقة وعملها الجزئي لتصنع استقلالها وتخفف العبء عن كاهل أسرتها. وهناك طبيبة التي تقضي ليلها في طوارئ مستشفى مزدحم، تواجه الألم بابتسامة طمأنينة برغم الإنهاك. وتلك المراهقة التي تمسك دفترها في ساعة متأخرة، تقاوم تشتت العصر وصخبه، واضعةً نصب عينيها حلماً تريد تحقيقه بشرف.
هذه التفاصيل ليست مجرد أداء واجب، بل هي مواجهات يومية تُصنع بها الحياة؛ وربما لهذا السبب لا ينتبه إليها أحد، لأن الأشياء التي تحفظ العالم من الانهيار، غالباً ما تعمل في صمت. ومع ذلك، كم من مرة تنام فيها الأنثى مثقلة بالكمد، تكتم في قلبها الإرهاق لأنها تظن خطأً أن اعترافها بالتعب “ضعف”، أو لأنها تتعامل مع قدرتها على الاستيعاب كواجب تلقائي لا يستحق حتى شكر ذاتها. والوعي الحقيقي يبدأ عندما يدرك المجتمع، وتدرك المرأة نفسها، أن هذا الصمود هو قمة الصلابة، وأن المعارك اليومية تستحق الامتنان أولاً.
نحن بحاجة اليوم، أكثر من أي وقت مضى، أن نلتفت بكثير من الامتنان والاحترام لهؤلاء الأبطال خلف الكواليس. نحن بحاجة لنقول “شكراً” صريحة وممتنة لتلك الإنجازات غير المرئية؛ فالتحية كل التحية لمن يمسكن العالم من حافته برفق، ولمن يربين الأجيال بصبر، ولمن يثبتن كل يوم أن العظمة الحقيقية لا تحتاج إلى صخب.. بل إلى قلب يتسع للدنيا وما فيها.
كان يا مكان.. نساء قست على نفسها لتمنح غيرها الحياة.
وكان يا مكان.. نساء أكبر من الدنيا، ولن يطويهن النسيان.

