تجربة عالمة البحار المصرية مروة محمود في القطب الجنوبي على متن سفينة أبحاث

١٥ سبتمبر ٢٠٢٦
د. مروة محمود

من الإسكندرية إلى القارة القطبية الجنوبية، كانت رحلتي العلمية رحلة طويلة ومليئة بالشغف والمغامرة. أحيانًا عندما أنظر إلى الطريق الذي قطعته، أشعر بالفخر أنني، كفتاة مصرية بدأت من جامعة الإسكندرية، وصلت إلى واحدة من أبعد وأقسى البيئات على كوكب الأرض، وشاركت في رحلة بحثية استغرقت شهرين إلى القطب المتجمد الجنوبي على متن سفينة الأبحاث الألمانية Polarstern. وكانت هذه التجربة من أهم المحطات في حياتي، لأنها جمعت بين كل ما أحب: البحر، العلم، السفر، الاكتشاف، والعمل في بيئة مختلفة تمامًا عن أي شيء عرفته من قبل

أنا د. مروة محمود، عالمة بحار مصرية، ورحلتي مع البحر بدأت من الإسكندرية، المدينة التي كان البحر فيها جزءًا من حياتي اليومية. من وأنا صغيرة كان عندي حب كبير للطبيعة والسفر والمغامرة. كنت أحب مشاهدة National Geographic والوثائقيات التي تتحدث عن البحار والكائنات البحرية والمناطق البعيدة، وكانت دائمًا تؤثر فيّ جدًا. كنت أشعر أن البحر عالم كبير وغامض، وفيه أسرار كثيرة ما زالت تحتاج إلى من يكتشفها ويفهمها

درست علوم المحيطات والكيمياء فى جامعة الإسكندرية. وهناك تحول حبي للبحر من مجرد شغف بالطبيعة والمغامرة إلى طريق علمي واضح. بدأت أفهم أن البحرنظام حي ومعقد، له علاقة بالمناخ،  ودورة الكربون، وحتى مستقبل الإنسان

كانت أول تجربة سفر بحثية حقيقية لي إلى تشيلي، كانت رحلة طيران طويلة جدًا من مصر إلى أمريكا الجنوبية، استغرقت أكثر من 24 ساعة؛ حيث سافرت من مصر إلى كونسيبسيون للمشاركة في تدريب متخصص عن بيئة وتنوع الكائنات الدقيقة البحرية. قضيت هناك شهرًا، قابلت خلاله علماء وباحثين من دول ومؤسسات مختلفة، ولأول مرة شعرت أنني جزء من مجتمع علمي عالمي، وأن شغفي بالبحر يمكن أن يأخذني إلى أماكن بعيدة جدًا.

في تشيلي، تعلمت عن النظم البحرية وتأثير التغيرات المناخية والبيئية على الكائنات البحرية، وتعرفت على تقنيات القياسات البحرية وشاركت في رحلة بحثية لجمع العينات. كانت هذه التجربة نقطة تحول، أكدت لي أن البحث العلمي في علوم البحار هو الطريق الذي أريد أن أكمل فيه.

بعد ذلك، سافرت إلى ناميبيا للمشاركة في African Research Discovery Camp مع فريق بحثي دولي. قضيت هناك شهرًا، وشاركنا في رحلة بحثية لدراسة تكوّن معدن الفوسفوريت ودور الكائنات الدقيقة والعمليات البحرية فيه. هذه التجربة جعلتني أحب علوم البحار أكثر، وعلمتني أن لكل بيئة بحرية قصة، وأن البحر يحتاج إلى صبر وفضول وعمل جماعي لكشف أسراره.

بعد تشيلي وناميبيا، قادني الطريق إلى ألمانيا، حيث بدأت مرحلة جديدة من حياتي العلمية والشخصية. حصلت على تدريب لمدة عام، ثم بدأت الدكتوراه في معهد ألفريد فيجنر وجامعة بريمن

لم أكن أبحث فقط عن درجة علمية، بل عن مغامرة علمية حقيقية أطرح من خلالها أسئلة مهمة عن البحر والمناخ.

كان موضوع الدكتوراه عن دورة الكربون في رواسب الجرف القاري للقارة القطبية الجنوبية، وكيف يؤثر الجليد البحري وتغير المناخ والكائنات الدقيقة والعمليات الكيميائية على تخزين أو إطلاق الكربون من قاع البحر. وهذا البحث له أهمية كبيرة لأن المحيط الجنوبي يلعب دورًا أساسيًا في تنظيم مناخ الأرض.

ثم جاءت الرحلة الأكبر في حياتي: الرحلة البحثية إلى القارة القطبية الجنوبية على متن سفينة الأبحاث الألمانية Polarstern. استغرقت الرحلة شهرين كاملين، وكانت مغامرة علمية وإنسانية بكل معنى الكلمة. أن أكون في مكان بعيد إلى هذا الحد، وسط الجليد والبرد والعزلة، وأعمل مع فريق دولي على جمع عينات من المياه والرواسب البحرية، وأشارك في تجارب علمية على ظهر السفينة، كان شيئًا لا يُنسى

في أنتاركتيكا، تعلمت معنى الصبر والدقة والمسؤولية. كنا نعمل في ظروف صعبة جدا، لكن كل عينة وقياس كان يقربنا من فهم تأثير ذوبان الجليد والتغير المناخي على البيئة البحرية ودورة الكربون والمناخ العالمي.

هذه الرحلة غيرتني كثيرًا، فلم تكن مجرد رحلة علمية، بل تجربة صنعت جزءًا كبيرًا من شخصيتي. علمتني أن العلم يحتاج إلى شجاعة، وأن الباحث لا يبحث فقط عن الإجابات، بل يتعلم كيف يتحمل الطريق إليها، ويتأقلم مع الظروف ويثق في نفسه.

خلال الدكتوراه، سافرت إلى دول مثل الولايات المتحدة والدنمارك وفرنسا وبولندا، وشاركت في تدريبات ومؤتمرات علمية أضافت لي الكثير. لكن بعد الدكتوراه، بدأ شغفي يتجه إلى سؤال آخر: كيف نحول نتائج البحث العلمي إلى قرارات وسياسات تحمي البيئة البحرية والسواحل؟

من هنا بدأت أهتم بحوكمة المحيطات والسياسات البحرية، وشاركت في تدريب للأمم المتحدة في مالطا، حيث أدركت أن العلم لا يكتمل إلا بوصوله إلى صناع القرار وتحوله إلى سياسات تحمي البحر والإنسان.

حاليًا، أركز على الربط بين علوم البحار وتغير المناخ والسياسات البيئية، خاصة حماية السواحل المصرية، وأهتم بالاقتصاد الأزرق وما يتيحه من فرص للشباب. كما أعمل على مشروع يهدف إلى دمج الكربون الأزرق في السياسات المناخية المصرية، والاستفادة من العلم في حماية السواحل ودعم القرارات البيئية والمناخية.

قصتي هى قصة فتاة بدأت من الإسكندرية بحب البحر والطبيعة والمغامرة، وكبرت مع كل رحلة وتحدٍ حتى وصلت إلى القطب الجنوبي لدراسة البحر والجليد والمناخ.

وأتمنى أن تكون المرحلة القادمة لخدمة مصر، وحماية سواحلها، وفتح المجال أمام النساء والشباب للمشاركة في علوم البحار والمناخ. وما زلت أؤمن أن فهم البحر يمكن أن يساعدنا في بناء مستقبل أفضل.

أضف تعليق