إزاي الإنترنت يعرف عنك أكتر مما تتخيلي؟

١٥ أكتوبر ٢٠٢٥

بسمة منير

Woman sitting on a sofa and using a smartphone

تخيلي إنك قاعدة على الكنبة، ماسكة الموبايل، وبتدوري على فستان معين.

بعدها بدقائق تفتحي إنستجرام… تلاقي إعلان لفستان شبه اللي كنتِ بتدوري عليه.

تفتحي موقع تاني… تلاقي إعلان عن نفس النوع.

تتكلمي مع صاحبتك عن السفر، وبعدها تلاقي محتوى عن أماكن السفر قدامك.

فتقولي لنفسك:

“هو الموبايل بيسمعنا؟!”

أحيانًا الإحساس ده بيكون مخيف فعلًا. لكن الحقيقة أغرب من فكرة إن الإنترنت “بيسمعك”.

لأن الإنترنت مش محتاج يعرف كل أسرارك بشكل مباشر.

أحيانًا تصرفاتك الصغيرة كفاية جدًا عشان تعمل صورة كبيرة عنك.

كل ضغطة، كل بحث، كل زيارة لموقع، وكل ثانية بتقضيها في مشاهدة محتوى، ممكن تكون جزءًا من صورة أكبر عن اهتماماتك وسلوكك الرقمي.

أنتِ بتسيبي وراكي آثار أكتر مما تتخيلي

لما تدخلي الإنترنت، مش معنى إنك مش كتبتي اسمك أو رقم تليفونك إنك بقيتي مجهولة.

المواقع والتطبيقات ممكن تجمع أنواع مختلفة من البيانات أثناء استخدامك لها، حسب الخدمة والتقنيات المستخدمة وسياسات الخصوصية.

من أمثلتها:

الصفحات اللي بتزوريها.

عمليات البحث.

التفاعل مع الإعلانات والمحتوى.

نوع الجهاز والمتصفح.

إعدادات الشاشة واللغة والمنطقة الزمنية.

ملفات تعريف الارتباط “Cookies”.

وبعض المعلومات التقنية التي يمكن استخدامها للتعرف على جهازك أو ربط زيارات متعددة ببعضها.

والفكرة الأساسية هنا هي التتبع الإلكتروني Online Tracking: تقنيات تسمح للمواقع أو خدمات الطرف الثالث بتسجيل معلومات عن نشاط المستخدم عبر الإنترنت بهدف التحليل أو التخصيص أو الإعلانات أو أغراض أخرى. وقد درست أبحاث أكاديمية هذه التقنيات على نطاق واسع. 

طب مين بيجمع المعلومات دي؟

مش بالضرورة “الإنترنت” ككيان واحد.

المشهد عبارة عن شبكة من المواقع والتطبيقات والخدمات وشركات الإعلانات وأطراف تقنية مختلفة، وكل طرف ممكن يشوف جزءًا معينًا من الصورة وفقًا لما تسمح به التكنولوجيا والسياسات.

وده اللي بيخلي الموضوع أعقد من مجرد:

“الموقع عرف أنا دخلت عليه.”

أحيانًا السؤال الحقيقي هو:

“إيه اللي ممكن يحصل لما معلومات من مصادر مختلفة تتجمع مع بعض؟”

الكوكيز مش مجرد بسكوتة

من أكتر الكلمات اللي بنسمعها لما نتكلم عن الخصوصية على الإنترنت هي:

Cookies — ملفات تعريف الارتباط.

وهي ملفات أو بيانات صغيرة يمكن للمواقع تخزينها في المتصفح، وتُستخدم لأغراض مختلفة، منها تذكر تفضيلاتك أو الحفاظ على تسجيل الدخول، وفي بعض السياقات يمكن استخدامها لتتبع النشاط لأغراض إعلانية.

لكن المشكلة إن كلمة “Cookies” أحيانًا بتخلينا نتخيل إن الموضوع كله عبارة عن ملف صغير بيتخزن على الموبايل.

الحقيقة إن عالم التتبع أكبر من كده بكتير.

دراسة ضخمة لستيفن إنجلهارت وأرفيند نارايانان من جامعة برينستون فحصت أعلى مليون موقع على الويب، ودرست مجموعة واسعة من تقنيات التتبع، بما فيها التتبع باستخدام الكوكيز وتقنيات أخرى لا تعتمد عليها، بالإضافة إلى تبادل معرّفات التتبع بين مواقع مختلفة. 

يعني ببساطة:

الكوكيز مجرد قطعة واحدة في الصورة.

والأغرب: ممكن يتعرفوا على جهازك من غير Cookie

هنا بنوصل لواحدة من أكثر التقنيات إثارة للاهتمام:

Browser Fingerprinting

أو بصمة المتصفح.

تخيلي إن حد مش محتاج يحط علامة على موبايلك عشان يميزه.

هو فقط بيبص على مجموعة من التفاصيل:

نوع المتصفح، نظام التشغيل، حجم الشاشة، المنطقة الزمنية، اللغة، بعض خصائص الجهاز، الخطوط الموجودة، وإشارات تقنية أخرى.

كل معلومة لوحدها ممكن تكون عادية جدًا.

لكن لما تتجمع؟

ممكن تعمل تركيبة مميزة نسبيًا.

وده شبيه بفكرة بصمة الإصبع: مش لأن كل جزء من المعلومات فريد تمامًا، لكن لأن تجميع عدد كبير من الخصائص ممكن يجعل التركيبة أكثر تميزًا.

دراسة Peter Eckersley المنشورة عام 2010 بعنوان How Unique Is Your Web Browser? درست مدى تميز متصفحات المستخدمين، ووجدت أن مجموعة الخصائص التي جرى قياسها كانت تحمل قدرًا مرتفعًا من المعلومات المميزة للمتصفح. 

وفي دراسة أخرى بعنوان Beauty and the Beast، درس باحثون من INRIA تقنيات حديثة لبناء بصمات للمتصفحات، ووجدوا أن التقنيات الجديدة مثل Canvas Fingerprinting يمكن أن توفر إشارات إضافية لتمييز المتصفحات. 

يعني إيه Canvas Fingerprinting؟

الاسم شكله معقد، لكن الفكرة أبسط مما تتخيلي.

المتصفح ممكن يستخدم طريقة معينة لرسم نصوص أو أشكال على الشاشة، والاختلافات الصغيرة في طريقة معالجة الجهاز والمتصفح للرسومات قد تنتج نمطًا يمكن قياسه.

النمط ده ممكن يدخل ضمن مجموعة الإشارات المستخدمة في تكوين بصمة رقمية للجهاز.

وفي قياس واسع أجرته جامعة برينستون على مليون موقع، اكتشف الباحثون استخدام Canvas Fingerprinting في 14,371 موقعًا ضمن قياسهم في يناير 2016. 

وده مش معناه إن كل موقع بيعمل كده، ولا إن كل بصمة تعني بالضرورة معرفة اسمك الحقيقي.

لكنها بتوضح حاجة مهمة:

التعرف عليكِ على الإنترنت مش لازم يعتمد على إنك كتبتي اسمك.

طيب هل الإنترنت فعلًا “يعرفك”؟

هنا لازم نفرّق بين حاجتين.

يعرف معلومات عن سلوكك

وده ممكن يحصل بدرجات مختلفة.

مثلًا، لو شخص بحث بشكل متكرر عن:

أدوات رياضية.

رحلات.

وصفات أكل.

مستلزمات أطفال.

فممكن تتكون إشارات عن اهتماماته.

لكن ده مش معناه بالضرورة إن النظام “فاهم شخصيته” بالكامل.

وبين إنه يعرف هويتك الحقيقية

دي حاجة مختلفة.

بعض البيانات قد تكون مجهولة أو شبه مجهولة في البداية، لكن ربط البيانات من مصادر مختلفة قد يجعل التعرف على الشخص أكثر احتمالًا في بعض الحالات.

وهنا تكمن واحدة من أكبر مشكلات الخصوصية:

المعلومة التي تبدو غير مهمة لوحدها ممكن تبقى أكثر حساسية لما تتحط جنب معلومات تانية.

وإعلاناتك مش صدفة دائمًا

فاكرة لما دخلتي مرة تشوفي نوع معين من الشنط، وبعدها فضلت الإعلانات تظهرلك؟

ده مثال على Behavioral Advertising — الإعلانات القائمة على السلوك.

الفكرة ببساطة إن بعض أنظمة الإعلان تحاول استخدام معلومات عن النشاط الرقمي لتقديم إعلانات أكثر ارتباطًا باهتمامات المستخدم.

هيئة التجارة الفيدرالية الأمريكية FTC درست هذا النوع من الإعلانات منذ سنوات، وعرّفته باعتباره استخدام نشاط الفرد على الإنترنت للمساعدة في تقديم إعلانات موجهة لاهتماماته. وفي الوقت نفسه، أشارت إلى مخاوف تتعلق بعدم وضوح عملية جمع البيانات للمستخدم، واحتمالات استخدام معلومات حساسة أو الاحتفاظ بها أو استخدامها بطرق غير متوقعة.

وده يفسر جزءًا من إحساسنا أحيانًا إن:

“الإعلان عرف أنا عايزة إيه قبل ما أقول.”

لكن في الواقع، ممكن يكون النظام ببساطة استنتج اهتمامًا محتملًا من سلسلة تصرفات رقمية.

مش لازم يكونوا عارفين إنك “فلانة”

ودي نقطة مهمة جدًا.

أحيانًا إحنا بنتخيل إن فيه شخص قاعد قدام شاشة وعنده ملف مكتوب عليه:

فلانة — بتحب كذا، وبتكره كذا، وبتدور على كذا.

الحقيقة التقنية غالبًا أكثر تعقيدًا من الصورة دي.

الأنظمة قد تتعامل مع معرفات وبيانات تقنية وسلوكية مختلفة، وقد تُستخدم هذه البيانات لبناء شرائح أو توقعات أو تخصيص محتوى وإعلانات.

يعني أحيانًا السؤال مش:

“هم عارفين اسمي؟”

لكن:

“إيه اللي ممكن يستنتجوه عني من سلوكي؟”

وده سؤال أهم.

أغرب حاجة: أنتِ ممكن تساعدي في بناء الصورة بنفسك

كل مرة بتعملي فيها Like.

كل مرة بتكملي فيديو للآخر.

كل مرة بتقفلي فيديو بسرعة.

كل مرة بتبحثي عن منتج.

كل مرة بتختاري موضوع معين تقرئي عنه.

كل مرة بتفتحي رابط.

كل ده ممكن يكون إشارة سلوكية.

مش معنى كده إن كل حركة بتتسجل بنفس الطريقة، أو إن كل منصة بتجمع نفس البيانات.

لكن على مستوى الفكرة العامة:

سلوكك الرقمي نفسه ممكن يبقى مصدرًا للمعلومات عنك.

وده السبب إن الخصوصية الرقمية مش مجرد موضوع “متخليش حد يعرف الباسورد”.

الخصوصية أوسع بكتير.

طب هل ده كله شر؟

مش بالضرورة.

ودي نقطة مهمة عشان ما نحولش المقال لقصة رعب.

التقنيات نفسها ممكن يكون لها استخدامات مفيدة.

التخصيص ممكن يخلي تجربة الموقع أفضل.

التحليلات تساعد الشركات على فهم أداء المواقع.

تقنيات معينة ممكن تستخدم في مكافحة الاحتيال وحماية الحسابات.

حتى أبحاث التتبع نفسها أوضحت أن بعض استخدامات fingerprinting تحولت في بعض الحالات من الإعلان السلوكي إلى أغراض مرتبطة باكتشاف الاحتيال. 

المشكلة مش في وجود التكنولوجيا وحدها.

المشكلة في: إيه البيانات اللي بتتجمع؟ وليه؟ وبتتخزن قد إيه؟ ومين يقدر يستخدمها؟ وهل المستخدم فاهم ده أصلًا؟

والخصوصية مش زرار On وOff

من الأخطاء الشائعة إننا نتعامل مع الخصوصية كأن عندنا اختيارين:

إما أختفي تمامًا من الإنترنت…

أو أسيب كل حاجة مفتوحة.

الحقيقة في النص.

ممكن تبدأي بخطوات بسيطة جدًا:

1. راجعي صلاحيات التطبيقات

هل تطبيق تعديل الصور محتاج فعلًا موقعك وجهات اتصالك؟

مش كل Permission لازم تكون مقبولة تلقائيًا.

2. اهتمي بكلمات السر

استخدام كلمة سر واحدة في كل مكان بيضاعف المشكلة لو اتكشفت.

الأفضل استخدام كلمات سر قوية وفريدة، مع تفعيل المصادقة متعددة العوامل حيثما أمكن.

3. قللي مشاركة التفاصيل غير الضرورية

مش كل صورة لازم تقول للناس أنتِ فين.

ومش كل منشور لازم يكشف تفاصيل عن روتينك أو بيتك أو أطفالك.

4. افهمي إعدادات الخصوصية

مش لازم تبقي خبيرة في الأمن السيبراني.

لكن خدي وقتك تعرفي:

مين يشوف بياناتك؟

مين يقدر يتواصل معاك؟

وإيه التطبيقات المرتبطة بحساباتك؟

5. ما تثقيش في فكرة “أنا مش مهمة”

الجملة دي بنسمعها كتير:

“أنا معنديش حاجة أخبيها.”

لكن الخصوصية مش معناها إن عندك أسرار.

الخصوصية معناها إن من حقك تعرفي مين يعرف عنك إيه، وليه.

السؤال الحقيقي مش: “هل الإنترنت بيراقبني؟”

لأن السؤال بالشكل ده ممكن يخلينا نتخيل سيناريو مبالغ فيه.

السؤال الأدق هو:

“إيه الآثار اللي بسيبها وأنا بستخدم الإنترنت، وإزاي ممكن تتجمع وتُستخدم؟”

وده سؤال مختلف تمامًا.

لأنك لما تبدأي تلاحظي التفاصيل، هتكتشفي إن الإنترنت مش مجرد مكان بتدخليه وتخرجي منه.

هو بيئة بتتفاعلي معاها باستمرار.

وكل تفاعل ممكن يضيف معلومة جديدة للصورة.

مش معنى ده إنك لازم تخافي من كل ضغطة.

ولا إنك توقفي استخدام التكنولوجيا.

لكن يمكن المرة الجاية اللي تضغطي فيها “موافقة” على نافذة طويلة من الشروط، تسألي نفسك سؤالًا واحدًا:

أنا وافقت على إيه بالضبط؟

يمكن السؤال ده، لوحده، يكون بداية وعي رقمي حقيقي.

اترك تعليقًا