١٣ أكتوبر ٢٠٢٦
د. جيهان رجب
هل أصبحنا نعيش في زمن يريد فيه الجميع الوصول سريعا، بينما تحتاج الحياة إلى الصبر والمثابرة وتحمل المسؤولية؟ وهل تغيرت نظرة الشباب إلى العمل والنجاح، أم أن العالم من حولهم هو الذي تغير، فأصبح يقدم صورا براقة لنجاحات تتحقق في وقت قصير، دون أن يعرض دائما ما وراءها من جهد وتعب ومحاولات متكررة؟
أثار انتباهي مؤخرا تقرير نشره موقع Yahoo Finance، تناول صعوبات يواجهها بعض أصحاب الأعمال في التعامل مع خريجي الجامعات الجدد في الولايات المتحدة، بسبب ما وصفوه بضعف الالتزام والتواصل والاستعداد للحياة المهنية. ورغم أن هذه النتائج لا يمكن تعميمها على جيل كامل، ولا نقلها مباشرة إلى المجتمع المصري، فإنها تطرح قضية تستحق التأمل: هل أصبحت هناك فجوة بين ما يتوقعه الشباب من الحياة، وما تتطلبه منهم بالفعل؟
في مصر، يواجه الشباب واقعا مختلفا عن واقع الأجيال السابقة؛ فهناك تغيرات تكنولوجية متسارعة، وتحديات اقتصادية، وصعوبة في تحقيق الاستقلال المادي لدى كثيرين، إلى جانب تغير طبيعة الوظائف ومتطلبات سوق العمل. ولذلك، لا ينبغي أن نحاكم الشباب دون أن نفهم الظروف التي يعيشونها، لكن في الوقت نفسه، لا ينبغي أن نتجاهل أهمية الالتزام والصبر والاستعداد لتحمل المسؤولية.
لقد أصبحت وسائل التواصل الاجتماعي تعرض يوميا صورا للنجاح السريع، والمكاسب الكبيرة، والحياة التي تبدو سهلة ومثالية. وقد يرى الشاب النتيجة دون أن يرى السنوات التي سبقتها من العمل والمحاولات والإخفاقات. فهل أسهمت هذه الثقافة في خلق توقعات غير واقعية لدى بعض الشباب؟ وهل أصبحنا نريد نتائج سريعة في مختلف جوانب الحياة، حتى في المجالات التي تحتاج بطبيعتها إلى التعلم والتدرج واكتساب الخبرة؟
وتظهر هذه الفجوة بوضوح عندما ينتقل الخريج من الجامعة إلى الحياة العملية. فقد يعتقد بعض الشباب أن الحصول على الشهادة الجامعية يكفي لضمان وظيفة مناسبة ومسار مهني سريع، بينما تتوقع بعض المؤسسات أن يكون الخريج مستعدا لتحمل مسؤوليات العمل منذ اليوم الأول. وبين التوقعين، تبرز أهمية مهارات لا تقل عن المعرفة العلمية، مثل احترام الوقت، والعمل الجماعي، وتقبل النقد، والتواصل الجيد، والقدرة على التعلم من الأخطاء.
وهنا يبرز سؤال مهم بالنسبة إلى جامعاتنا المصرية: هل نعد طلابنا لاجتياز الامتحانات والحصول على الشهادات فقط، أم نعدهم أيضا لمواجهة الحياة والتعامل مع تحدياتها؟ وهل نتيح لهم فرصا كافية للتدريب العملي، وتحمل المسؤولية، واتخاذ القرارات، والتعامل مع الاختلاف؟ فالمعرفة وحدها لا تكفي لبناء شخصية قادرة على النجاح، ما لم تصاحبها مهارات عملية وقيم يكتسبها الطالب بالممارسة.
ولا تقع المسؤولية على الجامعة وحدها، فالأسرة المصرية تؤدي دورا أساسيا في تشكيل شخصية الأبناء. وقد يدفع الحب والخوف عليهم بعض الأسر إلى التدخل المستمر في قراراتهم، أو حل مشكلاتهم نيابة عنهم، رغبة في حمايتهم من الفشل. لكن هل نحمي أبناءنا بالفعل عندما نزيل كل العقبات من طريقهم، أم نحرمهم أحيانا من فرص تعلم الاستقلال وتحمل نتائج اختياراتهم؟ وكيف نطالبهم بالاعتماد على أنفسهم إذا لم نمنحهم مساحة كافية للتجربة واتخاذ القرار؟
وفي المقابل، لا يمكن أن نطالب الشباب بالمسؤولية دون أن نراجع أيضا بعض الممارسات في مجتمعنا. فنحن نطالبهم باحترام الوقت، بينما قد نتسامح مع التأخير في حياتنا اليومية، وندعوهم إلى الالتزام بالقواعد، بينما يبحث بعضنا عن استثناءات عندما لا تناسبه. فهل تكفي النصائح لبناء جيل مسؤول، أم أن القدوة التي يراها الشباب في الأسرة والمدرسة والجامعة ومؤسسات العمل أكثر تأثيرا مما نقوله لهم؟
كما أن مؤسسات العمل تتحمل جانبا من المسؤولية؛ فالخريج الجديد يحتاج إلى التوجيه والتدريب ووضوح التوقعات. ولا يصح أن نطالبه بخبرة لم تتح له فرصة اكتسابها، كما لا يصح أن يتعامل هو مع نقص الخبرة باعتباره مبررا لعدم الالتزام أو رفض التعلم. فالعلاقة الناجحة تقوم على مسؤولية متبادلة: شاب لديه الاستعداد للتعلم والتطور، ومؤسسة تمنحه الفرصة وتساعده على اكتساب الخبرة.
ومن المهم أيضا ألا ننظر إلى الشباب المصري باعتباره كتلة واحدة؛ فهناك نماذج كثيرة من الشباب المجتهد الذي يعمل ويدرس، ويطور مهاراته، ويحاول بناء مستقبله رغم التحديات. ولذلك، ليست القضية صراعا بين جيل أفضل وجيل أسوأ، بل محاولة لفهم التغيرات التي طرأت على القيم والتوقعات، وكيف يمكننا التعامل معها دون ظلم الشباب أو إعفائهم من مسؤولياتهم.
إننا بحاجة إلى إعادة النظر في مفهوم النجاح الذي نقدمه لأبنائنا. هل النجاح هو الوصول إلى دخل مرتفع أو مكانة اجتماعية في أسرع وقت، أم القدرة على بناء حياة مستقرة خطوة بعد أخرى؟ وهل نقدر النتائج الظاهرة أكثر مما نقدر الجهد الذي يؤدي إليها؟ وكيف نساعد الشباب على الطموح دون أن نوهمهم بأن الطريق إلى النجاح خال من المشقة، أو أن التعثر يعني الفشل؟
إن إعداد جيل قادر على مواجهة المستقبل مسؤولية مشتركة بين الأسرة والجامعة ومؤسسات العمل والمجتمع كله. نحتاج إلى تعليم يربط المعرفة بالتطبيق، وتربية تعزز الاستقلال وتحمل المسؤولية، وبيئات عمل تساعد الشباب على التعلم، ونماذج مجتمعية تقدر الاجتهاد والالتزام بقدر تقديرها للنجاح والإنجاز.
وفي النهاية، ربما لا تكون المشكلة في أن الشباب يريدون الوصول سريعا، بل في الطريقة التي نعدهم بها للحياة، وفي توقعاتنا منهم، وفي النماذج التي نقدمها لهم. فهل نحن أمام جيل يريد ثمار النجاح قبل أن يتحمل تكاليفه، أم أمام مجتمع لم يمنح أبناءه دائما فهما واضحا للطريق إلى النجاح، ثم يلومهم عندما يتعثرون في منتصفه؟
وهل نربي أبناءنا ليصلوا سريعا، أم نساعدهم على امتلاك القدرة على الاستمرار، حتى عندما يكون الطريق طويلا، والظروف صعبة، والنتائج أبطأ مما تمنوا؟
أ.د. جيهان رجب
أستاذ بجامعة عين شمس


