١٣ يونيو ٢٠٢٦
كتبت د. أسماء أسامة

عندما تتحدث امرأة عن العنف، يتجه التفكير غالبًا إلى الضرب أو الإهانة أو الحرمان من الحقوق. لكن هناك نوعًا آخر من العنف أكثر خفاءً وأشد قسوة، لأنه يُمارس داخل الأماكن التي يفترض أن تكون ملاذًا للأمان والعلاج. إنه العنف الطبي ضد النساء؛ ذلك العنف الذي يجعل المرأة تدخل إلى المؤسسة الصحية طالبةً للمساعدة، فتخرج منها محمّلةً بالألم والإهانة والشعور بأنها لم تُعامل كإنسان كامل الحقوق.
في كل مرة تُقابل فيها شكوى امرأة بالاستهزاء، أو يُنظر إلى ألمها باعتباره مبالغة، أو تُختزل معاناتها في “توتر نفسي” أو “تغيرات هرمونية”، فإننا لا نتحدث عن خطأ مهني بسيط، بل عن شكل من أشكال العنف المؤسسي. فالعنف لا يبدأ باليد التي تضرب، بل يبدأ بالعقل الذي يرفض أن يصدق.
تعاني النساء حول العالم من ظاهرة موثقة تتمثل في التقليل من آلامهن ومعاناتهن الصحية مقارنة بالرجال. فالمرأة التي تشكو من ألم مزمن قد تُحال إلى الطب النفسي قبل أن تُجرى لها الفحوص اللازمة، والمرأة التي تصف أعراضًا خطيرة قد تُتهم بالمبالغة قبل أن يُكتشف لاحقًا أنها كانت تعاني مرضًا حقيقيًا. وبين الشكوى والتشخيص تضيع سنوات من العمر، وتُهدر فرص العلاج، ويُترك الألم لينمو في صمت.
لكن الوجه الأكثر قسوة للعنف الطبي ضد النساء يظهر في غرف الولادة.
هناك، حيث تكون المرأة في أكثر لحظات حياتها هشاشة وألمًا، تتحول بعض الممارسات الطبية إلى انتهاكات صريحة للكرامة الإنسانية. وهناك ظهر مصطلح “العنف التوليدي” لوصف كل سلوك أو إجراء يُفرض على المرأة أثناء الحمل أو الولادة أو ما بعدهما دون احترام إرادتها أو موافقتها أو كرامتها.
العنف التوليدي لا يعني فقط الخطأ الطبي، بل يشمل الصراخ في وجه المرأة أثناء الولادة، والسخرية من صراخها بسبب الألم، ورفض إعطائها المعلومات الكافية عن حالتها، وإجراء تدخلات طبية دون موافقة مستنيرة، أو إجبارها على أوضاع معينة أثناء الولادة رغم عدم ضرورتها، أو التعامل معها وكأنها مجرد “حالة” لا إنسان يشعر ويخاف ويتألم.
كم من امرأة خرجت من غرفة الولادة وهي تحمل طفلها بين ذراعيها، لكنها تحمل أيضًا جرحًا نفسيًا لا يراه أحد؟
كم من امرأة تتذكر ولادتها بوصفها تجربة إذلال لا تجربة حياة؟
كم من امرأة قيل لها وهي تتألم: “اسكتي”، أو “كل النساء يلدن”، أو “أنتِ من اخترتِ الحمل”؟
هذه العبارات ليست كلمات عابرة، بل أشكال من العنف النفسي تُمارس ضد امرأة في لحظة ضعف قصوى، وتترك آثارًا قد تمتد سنوات طويلة بعد انتهاء الولادة نفسها.
والمؤلم أن كثيرًا من النساء لا يشتكين من هذه الانتهاكات، ليس لأنهن لم يتعرضن لها، بل لأن المجتمع أقنعهن بأن المعاناة جزء طبيعي من كونهن نساء. فتم تطبيع الألم، وتطبيع الإهانة، وتطبيع تجاهل الشكوى، حتى أصبحت المرأة مطالبة بأن تتحمل كل ذلك بصمت، ثم تشكر النظام الصحي لأنه أدى واجبه الأساسي.
إن أخطر ما في العنف الطبي ضد النساء أنه غالبًا ما يُرتكب تحت غطاء السلطة العلمية. فالمرأة التي تعترض تُتهم بالجهل، والتي تسأل تُوصف بالمزعجة، والتي تطالب بحقها في المعرفة أو الموافقة تُعامل أحيانًا وكأنها تعطل العمل الطبي. وهكذا يتحول اختلال ميزان القوة بين مقدم الخدمة الصحية والمريضة إلى بيئة تسمح بوقوع الانتهاكات دون مساءلة حقيقية.
ولا يمكن الحديث عن العدالة أو حقوق الإنسان أو تمكين المرأة بينما يستمر تجاهل هذا النوع من العنف. فكرامة المرأة لا تتوقف عند باب المستشفى، وحقها في الاحترام لا يختفي بمجرد ارتدائها ثوب المريضة. إن جسد المرأة ليس ساحة للتجارب، وليس ملكًا لأحد غيرها، ولا يحق لأي شخص ـ مهما كانت مكانته العلمية أو المهنية ـ أن يتعامل معه دون احترام إرادتها وحقها في المعرفة والموافقة.
إن المجتمع الذي يطلب من المرأة أن تثق بالمؤسسات الصحية عليه أولًا أن يضمن أن تلك المؤسسات تستمع إليها، وتحترمها، وتصدق ألمها. فالرعاية الصحية الحقيقية لا تُقاس بعدد الأجهزة أو الأدوية أو العمليات الجراحية، بل تُقاس بمدى احترام إنسانية المريض.
وحين تضطر المرأة إلى القتال من أجل أن يُصدق ألمها، أو أن تُحترم إرادتها، أو أن تُعامل بكرامة داخل غرفة العلاج أو الولادة، فإن المشكلة لم تعد مشكلة فردية، بل أصبحت أزمة عدالة وإنسانية تستحق المواجهة.
فالعنف الطبي ضد النساء ليس حادثًا عابرًا، وليس مبالغة نسوية كما يحاول البعض تصويره، بل واقع تعيشه ملايين النساء بصمت. والصمت على هذا الواقع لا يجعله أقل وجودًا، بل يجعله أكثر ترسخًا وخطورة.
د. أسماء أسامة، باحثة قانونية وناشطة في حقوق المرأة
