١٣ يونيو ٢٠٢٦
كتبت إيمان غازي
طالما شعرت بالحماس الشديد كلما طُلب مني كتابة مقال عن الموارد البشرية، كنت أسترسل من واقع عملي وخبرتي في تحليل التحديات، ووضع الاستراتيجيات، والحديث عن بيئات العمل، فالإدارة وتطوير البشر ليسا مجرد وظيفة بالنسبة لي، بل هما حياتي كلها. لكن هذه المرة، حين جاءتني فرصة الكتابة، قررت أن أكتب عن أمرٍ يمسّني في الصميم، ويعبر عن أعمق تجربة وأصعب استراتيجية أعيشها في هذه المرحلة من حياتي، ولن أنكر أنني حين فكرت يوماً في إطلاق “بودكاست” خاص بي، كان هذا هو الموضوع الذي تمنيت أن أفتح فيه قلبي للعالم؛ موضوع الستات الشقيانة بعد الخلفة.
أنا هنا لا أكتب تنظيراً، بل أكتب عن طاحونة حقيقية مررت وأمر بها، أنا وكل أم نعيش في مجتمع يختصر أصعب وأعقد مشروع إدارة بشرية ونفسية في الكوكب داخل جملة واحدة باردة تتساءل: “طب ما الستات كلها بتخلف، إيه الجديد يعني؟”. والجديد يا سادة هو أن الدنيا تغيرت، والزمن اختلف، والأمهات يُستنزفن بالبطيء فقط لكي يقفن على أرجلهن.
أنا فاكرة كويس إنني قبل أن أنجب، كنت أرى أن الأم التي معها طفل واحد هي “سوبر هيرو” حقيقي، لكن عندما رزقني الله بتوأم، تغيرت نظرتي تماماً. ثم مع الوقت تعلمت درساً مهماً؛ أن التعب لا يُقاس بعدد الأطفال فقط. فهناك أم لطفل واحد تواجه الحياة وحدها، وأخرى لطفل يحتاج رعاية خاصة، وثالثة تعيش بعيداً عن أهلها أو يسافر زوجها معظم الوقت. لكل أم معركتها الخاصة التي قد لا يراها أحد. ومع ذلك، حين رزقني الله بتوأم، ثم رأيت أمهات لديهن ثلاثة وأربعة أطفال، أدركت أن قدرة الإنسان على التحمّل تتسع بشكل لا نتخيله إلا عندما نُدفع إليه.

وفي إحدى المرات كنت بالحضانة وقابلت أماً كان معها طفل واحد وأرادت أن “تخاويه”، فرزقها الله بتوأم، فقلت في نفسي: يا نهار أبيض، هذه الأم كيف تتصرف فجأة مع ثلاثة أطفال؟! ثم في مرة أخرى وخلال اجتماع لأولياء الأمور، قابلت أماً ثانية رزقها الله بثلاثة توائم دفعة واحدة كطفل ثانٍ لها، ليصبح بين عشية وضحاها معها أربعة أطفال فجأة! في تلك اللحظة جلست أذاكر هذا الإنسان، وجلس عقلي يتساءل بذهول: كيف تنام هذه الست؟ وكيف تعيش؟ وكيف تدير يومها؟
وكنت واثقة تماماً أنني لولا فضل الله، وعائلتي، لما استطعت الصمود. وأنا هنا أعترف بيقين أنني ما كنت لأصل لأي نجاح أو أحقق أي شيء في شغلي لولا أن أبي وأمي يساعدانني طوال الوقت بلا كلل، والدعم اللامحدود من زوجي، و من عائلتي كلها كانت ولا زالت شبكة دعم حقيقية دون انتظار مقابل.
والأهم من ذلك كله، ما كنت لأحقق شيئاً لو لم يكن شغلي نفسه داعماً لي؛ فمديرتي كانت من أوائل الناس في السوق الذين وضعوا استراتيجية مرنة تتيح العمل من المنزل يومين في الأسبوع، بل إنها كانت تزيد لي من هذه المرونة دائماً، وتدعمني في أخذ إجازاتي بكل راحة ودون أي ضغط. فالحقيقة المجرّدة هي أنه لو لم أمتلك شبكة الدعم هذه، سواء في عائلتي أو في بيئة عملي ، لما كنت سأصل لأي شيء في حياتي.
وامتداداً لشبكة الأمان العظيمة دي، لا يمكن أبداً أن أنسى فضل دكتور الاطفالالخاص بي؛ ذلك الطبيب الشديد في طباعه لكن الشاطر جداً في مهنته، والذي بدأ معي كطبيب وأصبح اليوم من أعز الأشخاص إلى قلبي. لن أنسى له أبداً أنه كان ولا يزال يجيبني عن أي سؤال يخطر ببالي، من أتفه التفاصيل إلى أعظمها وأكثرها قلقاً، بل إنه حتى حين يعلم بأني تعبانة، يحرص على أن يتصل بي بنفسه ليطمئن عليّ. وجود مثل هؤلاء البشر في رحلة الأمومة يمثل فارقاً بين العافية والانهيار.
هذا الدعم المحيط بي يجعلني أنظر بفزع لغياب شبكة الدعم عند أمهات أخريات، وتحديداً في أول سنتين حيث قلة النوم الرهيبة التي تدمر الصحة النفسية وتجعل الأم تتحرك في يومها كآلة مسيّرة، وهذا التعب وحده كفة، وإذا كان الأب يسافر بحكم عمله فهذا تحدٍ مضاعف يضع الأم في مواجهة مباشرة مع الوحدة والمسؤولية الكاملة.
وفي الوقت الذي تبدأ فيه كل نصائح التربية الحديثة بعبارة “اطلبي المساعدة”، نصطدم بواقع مرعب وهو أن تجدي شخصاً موثوقاً تأمنينه على طفلك أصبح عملة نادرة جداً. بل إن المعادلة باتت مستحيلة في ظل الحياة الغالية التي نعيشها، إذ لم يعد سهلاً أبداً أن تجدي ذلك الشخص المؤتمن بمرتب طبيعي يناسب ميزانية أسرة تعافر لتغطية أساسياتها. فالموضوع تحول من عبء مادي إلى مأزق نفسي لا ينتهي.
وتتجلى الأزمة عندما ينهار هذا النظام البديل فجأة، فقد رأيت بعيني أمهات دخلت أمهاتهن العناية المركزة، فباتت الأم وأختها في المستشفى لا تعرفان أين تذهبان بالأطفال. وإن غاب الأهل وضاقت الدنيا، تكتشف الأم بغصة أنه لا توجد في مجتمعنا خيارات أو أماكن مؤهلة وموثوقة يمكن أن تستقبل الأطفال كحلول طارئة إذا كان لدى الأم التزام عمل بالليل أو ظرف مفاجئ. فالمجتمع يطالب المرأة بالإنتاجية والكفاءة في عملها لكنه يتركها بلا أي شبكة أمان مؤسسية تحمي أطفالها وقت الأزمات.
وهنا نأتي إلى المعاناة المزدوجة التي تمثل زاوية مغيبة تماماً لا يفكر فيها أحد، فصعوبة الأمومة تتضاعف حين أواجه كأم تحدياً جسدياً وحركياً. وقبل أن أحجز لأولادي في أي تمرين رياضي، لا بد أن أبدأ رحلة بحث واستقصاء وسؤال حول ما إذا كان هذا المكان مؤهلاً لحركتي أم لا.
وامتدت هذه الرحلة لتشمل محلات الأطفال، والمولات، والمدارس، لنتساءل بمرارة: كم مدرسة في بلدنا مؤهلة حركياً بشكل حقيقي؟ فحين أذهب لحضور فعاليات في مدرسة أولادي، أضطر للالتفاف والدخول من بوابات فرعية بعيدة لأن البوابات الرئيسية غير مهيأة. فما بالكم بظروف بقية البشر؟ وما بالكم بأم تواجه الحياة بمسؤوليات العمل، ومتابعة التمارين، والمصاريف، وفوق كل هذا بتحدٍ جسدي لا يراعي المجتمع أبسط تفاصيله؟
وفي غمرة هذا الركض، بت أسأل نفسي مؤخراً: لماذا أصبحت الحياة ركضاً مستمراً هكذا؟ ولماذا أصبحت التمارين الرياضية تلتهم ثلاثة أيام في الأسبوع لو كان معك طفل واحد، أما لو كان لديك طفلان أو توأم فالحسبة تختلف تماماً؟ وتتحول الأيام لتلتهم أربعة وخمسة وستة أيام في الأسبوع! بل إن بعض التمارين تصل لثلاث ساعات للمرة الواحدة، وكأننا نضغط الأهل والأطفال بهذا الشكل المرعب من أجل مجرد ممارسة الرياضة، حتى باتت حياة الأسرة بكاملها والأسبوع بأكمله يدوران في فلك النادي والتمارين فقط.
يصاحب هذا كله رعب التربية في عالم مفتوح وصراع بناء الشخصية، فالتحدي الحقيقي الآن هو كيف أنشئ أطفالاً بتربية سوية ولديهم أصل وأخلاق في دنيا مفتوحة زيادة عن اللزوم. فالإنترنت يلقي بأي معلومة في أي وقت، والمجتمع من حولنا تغير وتأثرنا به سريعاً، حتى إنك تذهبين إلى أي مكان فتجدي أطفالك قد التقطوا سلوكيات وصفات غريبة عن بيتك من أطفال آخرين، لتخوضي جهاداً مستمراً لتصحيح هذه التصرفات على مدار الساعة.
وينعكس هذا الصراع على الحالة النفسية الداخلية للأم التي لا تتوقف عن التساؤل. فأنا أريد لأولادي أن ينشأوا بشخصية قوية تعرف كيف تقول “لا”، لكنني في الوقت ذاته أخشى أن كثرة التعليمات والتحذيرات تضعف قوتهم، أو أن كثرة لومي لهم وعتابي تجعلهم مستقبلاً ممن يسعون لإرضاء الآخرين على حساب أنفسهم كسباً للقبول والأمان. وحتى التفاصيل اليومية البسيطة كاختيار ملابس الخروج تتحول إلى معركة إقناع يومية تستنزف طاقة الأم وصبرها.
ولعل من أكثر الأشياء التي لا يتحدث عنها أحد ذلك الصراع الصامت الذي تعيشه الأم مع نفسها. فنحن نجري طوال اليوم بين العمل، والبيت، والمدرسة، والتمارين، والمواعيد، والمرض، والمسؤوليات التي لا تنتهي. ثم يأتي وقت نفقد فيه أعصابنا، فنرفع صوتنا أو نوبخ أبناءنا أكثر مما كنا نريد. وبعد أن ينام الأطفال، يبدأ التحقيق الداخلي القاسي؛ نستعيد المشهد مرة بعد مرة، ونشعر بالذنب، ونتهم أنفسنا بأننا أمهات سيئات، ونعاهد أنفسنا أن نكون أكثر هدوءاً غداً. ثم يأتي الغد محملاً بالضغوط نفسها، فنحاول ونتعثر ونحاول من جديد. وكثيراً ما تنسى الأم أن ما تفعله ليس دليلاً على فشلها، بل على أنها إنسان يحاول أن يؤدي عشرات الأدوار في الوقت نفسه بينما لا يمنحه أحد مساحة كافية ليلتقط أنفاسه.
ورغم كل هذا الشقاء، سأظل أذكر أول ثلاثة أشهر لي بعد الولادة. وهناك نقطة اختلاف دائمة وباب نقاش لا ينتهي بيني وبين زوجي؛ فأنا شخصياً لا أحب تماماً تذكر تلك الفترة أو التفكير فيها من كثرة قسوتها وهلاكها الحقيقي وصعوبتها التي عشتها بكل جوارحي، في حين أن زوجي ينظر إليها دائماً من زاوية مختلفة، ويحب أن يتذكرها بوصفها تجربة إنسانية مميزة وخبرة شكلت حياتنا.
وفي وسط تلك الطاحونة والضغط وقلة النوم، لا يمكن أن أنسى فرحتي العارمة والضوء الذي سطع فجأة في حياتي حين علمت أن المجلس القومي قد كرمني على شغلي ونجاحي. فكانت تلك الفرحة من أكبر الأفراح في حياتي كلها، لأنها جاءت في توقيت كنت أحتاج فيه بشدة أن أشعر أن إيمان الكيان، والعمل، والنجاح، ما زالت موجودة ولم تُدفن تحت ركام المسؤوليات الكثيفة.
وكلما تعبت، تذكرت كلمة أحد أقاربي حين قال لي: “إيمان.. ارفقي بنفسكِ”، وكلمة والدة أحد أصدقاء ابني حين قالت لي: “ليس عليكِ أن تكوني مثالية، بل عليكِ أن تكوني سعيدة”.
فالناس يقارنوننا دائماً بأمهاتنا زمان، لكن ليس كل ما فعله الأقدمون كان صحيحاً بالضرورة، وليست أولويات كل أم تشبه الأخرى. فالحكاية ليست مجرد مأكل ومشرب وتنظيف، بل هي صحة نفسية وجسدية تعافر لتنعم بالحياة والنجاح والفرح.
فارحموا الأمهات، وتوقفوا عن مطالبتهن بالمثالية في مجتمع لا يوفر لهن أبسط حقوق الأمان، والراحة، والتهيئة الحركية. فالأم لا تحتاج أن تكون خارقة، هي تحتاج فقط إلى شبكة دعم حقيقية ومجتمع أكثر رحمة. وربما قبل أي شيء آخر، تحتاج أن تسمع من حين لآخر أنها تبذل ما تستطيع، وأن هذا وحده يستحق التقدير.

