في قبضة الشاشات: كيف تستعيد الأسرة دفئها المفقود؟

١٣ يونيو ٢٠٢٦
كتبت : ا.د جيهان رجب 
أستاذ بجامعة عين شمس

في كثير من البيوت اليوم نجلس في المكان نفسه، ونتشارك السقف نفسه، وربما المائدة نفسها، لكننا في الحقيقة نعيش داخل عوالم منفصلة. الأب يتنقل بين رسائل العمل، والأم تتابع منصات التواصل الاجتماعي، والأبناء غارقون في الألعاب الإلكترونية أو مقاطع الفيديو القصيرة. تبدو الأسرة مجتمعة ظاهريا، لكنها متباعدة خلف شاشات صغيرة أصبحت تنافس العلاقات الإنسانية على الوقت والانتباه.

المشكلة ليست في التكنولوجيا ذاتها، فهي أصبحت جزءا لا يتجزأ من حياتنا اليومية، وسهلت الكثير من جوانب العمل والتعلم والتواصل. لكن التحدي الحقيقي لا يتمثل في محاربة التكنولوجيا أو مصادرة الهواتف، بل في إعادة الإنسان إلى مركز العلاقة الأسرية، بحيث تصبح التكنولوجيا وسيلة تخدم الأسرة لا حاجزا يفصل أفرادها عن بعضهم البعض.

ولعل البداية تكون من تخصيص ساعة واحدة يوميا تغلق خلالها جميع الهواتف والأجهزة الذكية. ليست ساعة للعقاب أو الحرمان، وإنما موعد عائلي مقصود للحوار أو اللعب أو تناول الطعام أو حتى الجلوس معا. فالعلاقات لا تنمو بالوقت المتبقي بعد استخدام الهاتف، بل بالوقت الذي نمنحه لها عن قصد.

كما أن استعادة مائدة الطعام كمساحة للحوار الأسري يمكن أن تحدث فارقا كبيرًا. فقد كانت المائدة عبر التاريخ أكبر منصة للتواصل بين أفراد الأسرة، بينما أصبحت اليوم في كثير من الأحيان مجرد مكان يجتمع فيه الجميع بينما تظل عيونهم معلقة بالشاشات. وربما يكون قرار بسيط مثل “لا هواتف على المائدة” كفيلا بإعادة عشرات الدقائق من الحديث الحقيقي إلى الحياة الأسرية كل يوم.

ومن الوسائل البسيطة والفعالة أيضا تغيير طبيعة الأسئلة التي نتبادلها داخل الأسرة. فبدلا من الاكتفاء بسؤال تقليدي مثل “كيف كان يومك؟” يمكن طرح أسئلة تفتح أبوابا أوسع للحوار، مثل: ما أجمل شيء حدث لك اليوم؟ وما أكثر شيء أزعجك؟ وماذا تعلمت اليوم؟ ولو كان بإمكانك تغيير شيء واحد في يومك، ماذا سيكون؟ مثل هذه الأسئلة لا تمنح أفراد الأسرة فرصة للكلام فقط، بل تمنحهم فرصة للشعور بأن هناك من يهتم بما يعيشونه فعلا.

وفي عالم سريع الإيقاع، قد تحتاج الأسرة أحيانا إلى يوم مختلف تماما. يوم واحد كل شهر بعيدا عن الإنترنت قد يكون فرصة لرحلة قصيرة، أو نشاط رياضي، أو لعبة جماعية، أو حتى جلسة لاستعادة الذكريات ومشاهدة الصور القديمة. فالأسرة لا تتماسك بالكلمات وحدها، بل بالخبرات والتجارب المشتركة التي تعيشها معا.

ومن المهم كذلك أن ندرك أن المشاركة غالبا ما تكون أكثر فاعلية من الرقابة. فبدلا من مراقبة الأبناء باستمرار أثناء استخدامهم للشاشات، يمكن للوالدين أن يشاركاهم بعض اهتماماتهم الرقمية، فيسألان عن لعبة مفضلة أو يشاهدان معهم محتوى يتحدثون عنه بحماس. فالمشاركة تبني جسورا من الثقة والتفاهم يصعب أن تحققها أساليب المنع وحدها.

وفي الحقيقة، كثير من الأبناء لا يحتاجون إلى هدايا باهظة أو محاضرات طويلة بقدر حاجتهم إلى شخص ينصت إليهم باهتمام حقيقي. أحيانا عشر دقائق من الإنصات الكامل قد تكون أكثر قيمة من ساعات طويلة من التواجد الجسدي الصامت، لأن الشعور بالاهتمام لا يقاس بطول الوقت، بل بجودة الحضور.

وفي زمن أصبحت فيه الأنظار معلقة بالشاشات، أصبح النظر المباشر أثناء الحديث مهارة إنسانية وأسرية تستحق أن نستعيدها. فالاهتمام الحقيقي يبدأ عندما نرفع رؤوسنا من الأجهزة لنرى من يجلسون أمامنا، ونمنحهم انتباهنا الكامل ولو لدقائق قليلة.

كما أن كثيرا من الأسر أصبحت منشغلة بتوثيق اللحظات أكثر من عيشها. نصور الرحلات واللقاءات والاحتفالات ونشاركها مع الآخرين، لكننا أحيانا ننسى أن نستمتع بها ونحن نعيشها. والحقيقة أن ما يبقى في الذاكرة ليس عدد الصور المنشورة ولا حجم التفاعل عليها، بل المشاعر والتجارب التي عشناها معا. لذلك ربما نحتاج أحيانا إلى أن نترك الهاتف جانبا، ونختار أن نحيا اللحظة بدلا من توثيقها فقط.

في النهاية، لا تحتاج الأسرة إلى مزيد من شبكات الاتصال، بل إلى مزيد من الروابط الإنسانية. فالمشكلة ليست أن أفراد الأسرة متصلون بالإنترنت، بل أنهم أحيانا غير متصلين ببعضهم البعض. وربما يكون السؤال الأهم الذي يستحق أن نتوقف أمامه قليلا: متى كانت آخر مرة جلسنا فيها معا دون أن يقطع حديثنا إشعار من هاتف؟ ومتى كانت آخر مرة شعر كل فرد في الأسرة أنه حاضر فعلا، لا بجسده فقط، بل بقلبه وانتباهه أيضا؟ فربما تبدأ استعادة الأسرة من لحظة بسيطة نختار فيها أن نغلق الشاشات قليلا… ونفتح أبواب التواصل من جديد.

أضف تعليق