١٣ أغسطس ٢٠٢٦
كتبت – لمياء حجر
لم يعد الإنترنت والتكنولوجيا مجرد رفاهية، بل أصبحا ركيزة أساسية من الركائز التي تقوم عليها المجتمعات الحديثة، ولم يعودا حكرًا على جنس أو طائفة أو فئة، لكن حين نسلط الضوء على دلتا مصر وصعيدها نجد أنفسنا نعود عقودًا إلى الوراء، حيث لا تزال التكنولوجيا تُطرح باعتبارها قضية تتعلق بأحقية النساء في استخدامها، لا باعتبارها حقًا أصيلًا لهن.
لا تزال تتردد العبارات التي تهاجم النساء اللاتي يظهرن على شبكات التواصل الاجتماعي، ولا تزال صورهن وحساباتهن محل رقابة وإدانة، وكأن وجود المرأة في الفضاء الرقمي جريمة تستوجب العقاب.
وفي المقابل، تقف النساء أمام واقع تُسجل فيه عشرات الانتهاكات والاعتداءات التي تُرتكب باستخدام الإنترنت، في ظل غياب الوعي الرقمي الكافي، لتصبح التكنولوجيا التي كان يفترض أن تكون وسيلة للمعرفة والتمكين أداة جديدة للاستغلال والعنف، وكأن حق المرأة في الوجود الرقمي أصبح وصمة تُحارب بها قبل أن يكون حقًا تتمتع به.
أين تقف المرأة القروية من التكنولوجيا؟
إن نساءنا في القرى لسنّ بعيدات عن استخدامها، وبمعنى دقيق هنّ يمتلكن الأداة لاستعمالها، مثل الهواتف وشبكات الإنترنت، ولكنهن يفتقرن بشكل أساسي وكبير في الغالب إلى الوعي الرقمي، فلا يوجد وعي كافٍ بكيفية حماية حساباتهن الشخصية، والاستخدام الأمثل للتكنولوجيا، وحماية بياناتهن.
ولكن ذلك ليس لسوء فيهن، إنما هو امتداد كبير لسنوات من الظلم والحرمان الذي كُبّلن به. فالمرأة الريفية ربما تتمتع اليوم بتعليم جيد لم تحظَ به نساء بلدتها في القرن الماضي، لكنها ومع حدوث كل تقدم جديد تقف في الخلف، وكأن حقوقها مؤجلة ترد إليها بعد أن تفيض من نساء المدن.
ومن المخاطر التي تتعرض لها نتيجة لغياب الوعي التكنولوجي:
- الاستغلال الإلكتروني.
- سرقة الصور والبيانات الشخصية.
- الابتزاز الإلكتروني.
- العنف والتشهير عبر الإنترنت.
- النصب والاحتيال الإلكتروني.
- غياب المعرفة بالحقوق الرقمية.
- الخوف من الفضيحة والصمت عن الانتهاكات.
لكن الأخطر من كل ذلك أن المرأة لا تواجه هذه المخاطر في فراغ، بل تواجهها داخل مجتمع يحملها هي مسؤولية ما تعرضت له، مجتمع يقاضيها على تقصيره.
ورغم كل ذلك، فإن قلة الوعي الرقمي ليست هي الآفة الوحيدة التي تحرق جذور نسائنا، لكننا نقف أمام دعوى كبيرة يعلق عليها المجتمع بكل طوائفه مبرراته لانتهاكاته في حق النساء، وهي «السمعة والشرف».
فما زال الرجال في الأرياف يقاضون النساء على صورهن الشخصية على حساباتهن، ويتهمون النساء بالخروج عن قضبان الشرف الذي صنعوه بأنفسهم، ولم يكتفوا بذلك، بل إنهم أيضًا هم من يقودون عربة قطارهن ويحددون لها أين تسير ومتى تتوقف.
وكل هذه المساوئ ليست فقط امتدادًا للأمية التكنولوجية، بل هي في صلب الأمر قشور لما يعانيه المجتمع الريفي من قلة الثقافة والوعي الإنساني، والانسياق خلف عادات وخطوط تشكلت من طمي أرض فاسدة.
لكننا أمام كارثة أخرى لا تقل خطورة عن الانتهاكات نفسها، بل ربما كانت واحدة من أسباب استمرارها، ألا وهي غياب الإحصائيات الحقيقية التي ترصد ما تتعرض له نساؤنا في الريف من انتهاكات إلكترونية. فالكثير مما يحدث لا يصل إلى الأوراق، ولا يدخل في أرقام، ولا يتحول إلى بلاغات، وإنما يُدفن داخل البيوت، كما دُفنت قبله حكايات كثيرة، خوفًا من أن تتحدث المرأة عما تعرضت له، وخوفًا من أن تخرج من كونها ضحية لتصبح هي المتهمة.
وحتى المحاولات التي جاءت لرصد الظاهرة من خلال الاستبيانات والدراسات لا تستطيع أن تكشف لنا إلا الجزء الذي استطاعت النساء أن يخرجن به من صمتهن، أما ما بقي خلف الأبواب المغلقة فلا نملك له رقمًا ولا إحصاءً، ولا حتى شهادة نعرف من خلالها حجم ما يحدث.
ولكن لا يمكننا أن نغفل أن نساءنا قد اكتفين من أن نرصد ما يحدث لهن، ونحصي الانتهاكات التي تقع عليهن، ثم نتركهن في المكان ذاته، وكأن تسجيل الألم أصبح غاية في ذاته. فقد امتلأت الأوراق بالحكايات، وسُجلت الانتهاكات، وتكررت الشهادات، ولم يتغير من الواقع ما يكفي.
لقد وصلنا إلى مرحلة لم يعد فيها رصد الانتهاك وحده كافيًا، ولم يعد تسجيل ما تتعرض له النساء إنجازًا نستطيع أن نقف عنده. فكل خطوة لا تقود إلى الحل، وكل حديث لا يتبعه فعل، وكل انتهاك نكتفي بتوثيقه ثم نترك أسبابه قائمة، هو في حقيقته شكل آخر من أشكال التواطؤ.
وهناك العديد من الحلول التي نطالب بها، مثل:
التوعية الرقمية للنساء في الريف: فلا يكفي أن تمتلك المرأة هاتفًا أو أن تصل إليها شبكات الإنترنت، وإنما يجب أن تمتلك الوعي الكافي بكيفية استخدام التكنولوجيا وحماية حساباتها وبياناتها وصورها.
تعليم الأمان والخصوصية الرقمية وكيفية مواجهة الابتزاز: فمن حق المرأة أن تعرف كيف تحمي نفسها داخل هذا العالم، وكيف تواجه من يحاول استغلالها أو تهديدها، بدلًا من أن يكون الحل هو إبعادها عنه.
إجراء دراسات وإحصائيات حقيقية ومخصصة للنساء في الريف: فما لا نعرف حجمه لا نستطيع أن نواجهه، وما لا نملك عنه أرقامًا سيظل كثير منه مدفونًا خلف أبواب البيوت وصمت النساء.
إنشاء آليات آمنة وسرية للإبلاغ عن الانتهاكات: فلا يمكن أن نطالب المرأة بالكلام ثم نتركها تواجه وحدها الخوف من الفضيحة أو من أسرتها أو من مجتمع قد يحولها من ضحية إلى متهمة.
تغيير ثقافة لوم الضحية وتحويل مفهوم الحماية من المنع إلى التمكين: فلا تكون حماية المرأة بأن نمنعها من وضع صورتها أو نراقب هاتفها وحساباتها، وإنما بأن نمنحها الحق في استخدام التكنولوجيا وأن نحاسب من ينتهك هذا الحق.
ولا يتوقف الأمر عند ذلك، وإنما يمتد إلى توفير الدعم القانوني والنفسي للضحايا، وإدخال الوعي الرقمي في برامج التعليم والتدريب بالقرى، وتمكين النساء اقتصاديًا من خلال التكنولوجيا، وتشديد المساءلة على مرتكبي الانتهاكات.
في النهاية،
نحن اليوم لسنا بحاجة إلى مجتمع يعلّم نساءه كيف يختبئن خلف الشاشات، وإنما إلى مجتمع يتعلم كيف يتوقف عن مطاردتهن خلفها. فالتكنولوجيا لم تكن يومًا هي الجريمة، وإنما الجريمة هي أن تُحرم المرأة من حقها في استخدامها ثم تُترك وحدها حين تُنتهك. وإذا كان العالم قد مضى إلى الأمام، فإلى متى ستظل نساؤنا في الريف يدفعن ثمن خوف المجتمع من حريتهن؟

