١٠ سبتمبر ٢٠٢٦
لمياء حجر

في عالمٍ مكتظّ بالملايين، يكابد الجميع من أجل توفير متطلبات الحياة، سواء أكانت أساسية أم رفاهية؛ حلقةٌ دائرية من تكرار الأيام، والركض خلف القليل من الجنيهات، ومواجهة الأزمات. عالمٌ نجد فيه النساء يحاربن من أجل أن يتكاتفن مع أفراد عائلاتهن للحفاظ على قوت منازلهن؛ نساءٌ يحاولن النهوض بعائلاتهن، حملن فوق رؤوسهن عبء العائلة والمنزل.
نجد خلف كل ذلك قطيعًا من الذكور يضعون مصفاةً أشبه بميزانٍ يحكمون بها على النساء، ويحاولون من خلالها تصنيفهن بين امرأةٍ مهمشة تسحقها الحياة باسم الشرف، وامرأةٍ حظيت بالتعليم وقدرٍ من المكانة المرتفعة، فيُنظر إليها بنقيض النظرة الأولى.
عند الحديث عن جميع المجتمعات، منذ بدء الحضارة، فالعمل هو العمل بكل أشكاله؛ نسعى إليه ونستعين به للعيش. لا فرق بين عملٍ شاق وعملٍ مريح، فكلنا نسير داخل تروس الآلات من أجل شيء واحد: لقمة العيش.
لكننا اليوم نقف أمام سنواتٍ من تراكم الطحالب السامة في مجتمعاتنا، حتى تحولت إلى مستنقعٍ من الآراء التي يتخللها الجهل، والضعف النفسي، وطبقاتٌ عديدة من انحلال الأفكار.
نجد اليوم رجالًا يزايدون على النساء، ويقيمون شرفهن من خلال نوعية العمل الذي يقمن به. فالمرأة «الشريفة» هي، في نظرهم، تلك التي تستهلك عافيتها في عملٍ شاق من أجل جنيهاتٍ لا غنى عن ثمنها لتوفير وجبة واحدة.
أما المرأة «غير الشريفة»، فهي تلك التي تباشر عملها في غرفةٍ مكيفة، وتحظى بمعاملةٍ جيدة، وتتقاضى رواتب قد تتضاعف عن رواتب غيرها، وتذهب إلى عملها في سيارةٍ خاصة؛ لا تُسحق كل يوم تحت وطأة العمل، ولا تُجبر على استخدام وسائل مواصلات غير آدمية قد تودي بحياتها، وفي أحسن الأحوال قد تكافأ في نهاية يومها بواقعةٍ أو اثنتين من التحرش.
وقد تزايد هذا النوع من التفكير في الآونة الأخيرة، حتى أصبح تيارًا سائدًا في عقول ملايين الرجال الذين يُفترض أنهم يشكلون المجتمع؛ ذلك المجتمع الذي يُفترض أن يقود ويتقدم وينافس بقية المجتمعات.
إن المعضلة هنا ليست في امرأةٍ تكابد ويُستهلك جسدها، أو امرأةٍ تحارب بعقلها؛ المعضلة في فرضيةٍ أعمق: أنهم يخشون كل شيء.
يخشون النساء، وينظرون إليهن بحسرةٍ نابعة من استحقاقيةٍ زائفة جعلتهم يرون أن لا حق إلا حقهم.
لا حق في الراحة إلا لأجسادهم.
لا حق في الأجور المرتفعة إلا لجيوبهم.
لا حق في الاحترام إلا لكلمتهم.
ولعلنا نرجع إلى الخلف عقودًا، حتى نضع أيدينا على منبع استحقاقيتهم؛ فنجد أنهم في الأصل ورثوا عقلية رجالٍ كانوا يحصلون وحدهم، دون نساء عائلاتهم، على التعليم. رجالٌ حظوا بالأفضلية في كل شيء، حتى في تقسيم نصيب الفرد من الطعام، بينما نالت النساء نصيبهن من الدونية في كل شيء.
ولكن متى أصبح نوع العمل معيارًا للشرف؟
من الذي أصدر القوانين الخاصة بذلك؟ ومنذ متى تُقاس شرف المرأة بطبيعة كسبها ونوعية وظيفتها؟ تلك الوظيفة التي، على النقيض، إذا مُنحت للرجل أصبحت وسيلةً لمدحه والإشادة به، أما إن مُنحت للمرأة، أصبحت بابًا للتشكيك في شرفها.
وليس السؤال هنا: من يسيطر على القضية؟ وإنما المعضلة الأساسية أمامنا هي الكيل بمكيالين. فلا مشكلة لديهم في العمل إطلاقًا؛ بل إنهم يقدّسون عمل المرأة، لكن العمل الذي ينهش صحتها، وينتهك إنسانيتها، ويمحو من أمامها أي فرصة للتقدم والقيادة.
يريدونها عاملةً حتى تحمل عنهم عبء منازلهم، ويخشون منها أي تقدّم حتى لا تتمكن من حماية جسدها وكرامتها من استبدادهم.
يريدون لها العمل، لا الاستقلال.
يريدون لها الدخل، لا القوة.
يريدونها أن تساهم، لا أن تقود.
يريدونها أن تحمل الأعباء، لكنهم يخشون اليوم الذي تمتلك فيه القدرة على اختيار الأعباء التي تستحق أن تحملها.
وأمام كل ذلك، فالثمن الذي تدفعه المرأة باهظٌ جدًا؛ ثمنٌ قد يكلفها عمرها بأكمله.
إنها تحاسب على ثمن الازدواجية بعرقلة أحلامها، وإجبارها على الاكتفاء بالنظر تحت قدميها، داخل المربع الذي رسموه لها وحددوا فيه مدى نظرها، وسقف طموحها.
تحارب ازدواجيةً أخرى؛ فالرجل يُسأل عن راتبه، أما هي فتُسأل عن نوعية عملها.
هو يُقاس بما يكسب، وهي تُقاس بما تفعل.
هو يُمدح كلما ارتفع دخله، أما هي فقد تجد نفسها مطالبةً بتبرير الطريق الذي سلكته حتى تصل إليه.
وكأن المال حين يدخل جيب الرجل يصبح دليلًا على نجاحه، وحين يدخل جيب المرأة يصبح سؤالًا مفتوحًا عن أخلاقها، وعن عملها، وعن حقها أصلًا في أن تصل إليه.
وليس هذا مجرد توجهٍ شخصي، أو رغبةٍ نسوية في تضخيم القضية، وإنما الأرقام هي التي تكشف لنا حجم الكارثة التي تدفع بمجتمعنا إلى الخلف.
فوفقًا لبيانات Gender Data Portal التابعة للبنك الدولي، لا تتجاوز مشاركة النساء في قوة العمل في مصر 18.5%، مقابل 70.5% للرجال في عام 2025. أي أن الفجوة بين الطرفين لا تزال هائلة، وأن المرأة لا تبدأ أصلًا من النقطة ذاتها التي يبدأ منها الرجل.
ولا تتوقف الفجوة عند معدلات المشاركة؛ فالنساء لا يشكلن سوى 20.6% من إجمالي قوة العمل في مصر عام 2025.
أما عند مقارنة مشاركة النساء بمشاركة الرجال، فتبلغ النسبة 26.2% فقط؛ أي أن معدل مشاركة النساء في قوة العمل لا يعادل سوى نحو ربع معدل مشاركة الرجال.
وهذه الفجوة لا تعني أن المرأة وحدها هي من تخسر؛ بل يخسر المجتمع بأكمله جزءًا كبيرًا من طاقته الاقتصادية. فقد قدّر البنك الدولي أن سد فجوة المشاركة الاقتصادية بين الرجال والنساء يمكن أن يرفع الناتج المحلي الإجمالي لمصر بنحو 56%.
وحتى المسؤوليات المنزلية والرعاية الأسرية تلعب دورًا في هذه المعادلة؛ إذ تشير بيانات البنك الدولي إلى أن 45% من الرجال و33% من النساء في مصر يعارضون استخدام خدمات رعاية الأطفال خارج الأسرة، في وقت تتحمل فيه النساء عادةً جانبًا أكبر من مسؤوليات الرعاية، وهو ما يمثل أحد العوائق أمام مشاركتهن في سوق العمل.
وهكذا، لا تعود القضية مجرد امرأة تحاول أن تثبت حقها في العمل، ولا مجرد رجل يحاول أن يفرض تعريفه الخاص للشرف؛ نحن أمام فجوة اقتصادية واجتماعية حقيقية، تُقصي ملايين النساء عن المشاركة الكاملة في مجتمعٍ يحتاج إلى كل طاقاته كي يتقدم.
وإذا فتحنا باب الإحصاءات الخاصة بعمل النساء في مصر، فلن نصل إلى أرقام المشاركة الاقتصادية وحدها، بل سنجد أمامنا وجهًا أكثر قسوة للعمل الذي يُطلب من النساء أن يرضين به: العمل باليومية والعمل الزراعي، حيث لا تنتهي المعاناة عند انخفاض الأجر أو غياب الحماية الاجتماعية، بل قد تنتهي أحيانًا بالموت.
وفي يونيو 2025، لقيت 18 فتاة مصرعهن أثناء توجههن إلى العمل في مزارع العنب بمدينة السادات، بعدما اصطدمت شاحنة بميكروباص كان ينقلهن إلى أماكن عملهن. وكانت بعض الضحايا في أعمار تراوحت بين 14 و23 عامًا.
ولم تكن تلك الواقعة حادثًا منفردًا؛ فقد وثّق تقرير للمركز المصري للحقوق الاقتصادية والاجتماعية ما لا يقل عن 248 ضحية من عمال الزراعة خلال عام واحد فقط، من يوليو 2024 إلى يونيو 2025، بينهم 55 حالة وفاة و193 إصابة، نتيجة حوادث نقل العمال اليومية.
والأكثر قسوة أن هذه الأرقام لا تمنحنا صورة كاملة؛ فغياب الإحصاءات الرسمية الشاملة يجعل من الصعب معرفة العدد الحقيقي للنساء اللاتي فقدن حياتهن أو أصبن أثناء ذهابهن إلى العمل الزراعي أو عودتهن منه.
هنا يصبح سؤال «أي عملٍ تختار المرأة؟» سؤالًا أكثر قسوة؛ فحين تُدفع المرأة إلى العمل في ظروف غير آمنة، وبأجر زهيد، وفي وسائل نقل متهالكة، ثم يُنظر إلى هذا العمل باعتباره الصورة المقبولة لعملها، فنحن لا نتحدث عن تمكين اقتصادي، وإنما عن نجاة يومية تُدفع المرأة ثمنها من جسدها، وأحيانًا من حياتها.
في النهاية،
لم تكن المرأة يومًا في حاجة إلى إذنٍ كي تعمل، لكن المعادلة اختلّت، وتسلّل الخطأ والانحلال إلى كل شيء، فأصبحت نساؤنا يحاربن من أجل حياةٍ بائسة في القاع، دون أن يُسمح لهن حتى بالحلم بالنهوض.
Share this:
Loading…
Published by Women of Egypt
View all posts by Women of Egypt
Post navigation
PreviousWhen the Filter Becomes the Mirror
Leave a comment

Search
SEARCH FOR:
