١٠ سبتمبر ٢٠٢٦
آ.د. جيهان رجب
ظل السؤال التالى “هل تصلح المرأة للقيادة؟” يتردد لسنوات طويلة، وكأن القيادة موهبة مرتبطة بنوع الإنسان، لا بقدرته على الرؤية واتخاذ القرار وتحمل المسؤولية. ومع مرور الوقت، أثبتت التجارب أن السؤال نفسه ربما لم يعد هو السؤال الصحيح. فالمرأة وصلت إلى مواقع قيادية في الجامعة، والشركات، والمؤسسات، والمجتمع، وأثبتت أن الكفاءة لا تحمل نوعا . لكن السؤال الذي يستحق أن نتوقف أمامه اليوم هو : هل ما زال المجتمع يحاكم المرأة القيادية بمعايير مختلفة عن الرجل؟
عندما يكون الرجل حازما، قد نصفه بأنه قوي الشخصية. وعندما يتخذ قرارا لا يرضي الجميع، نقول إنه قادر على الحسم. وعندما يرفع سقف توقعاته من فريقه، قد نراه قائدا يبحث عن الإنجاز. لكن عندما تفعل المرأة الشيء نفسه، قد تبدأ الأسئلة من مكان آخر : هل هي شديدة؟ هل هي عصبية؟ هل أصبحت متسلطة؟ هل تغيرت بسبب المنصب؟ وهنا لا تعود المشكلة في القرار نفسه، وإنما في الصورة الذهنية التي نحملها عن الشخص الذي اتخذه.
ربما تكون هذه هي المفارقة الأكبر في تجربة المرأة القيادية. فهي مطالبة بأن تكون قوية، لكن دون أن تبدو قاسية ، حازمة، لكن دون أن توصف بالسيطرة ، متواضعة، لكن دون أن تفقد حضورها، متعاطفة، لكن دون أن يفسر تعاطفها باعتباره ضعفا. وكأن عليها أن تنجح في القيادة، وأن تنجح في الوقت نفسه في طمأنة الآخرين إلى أنها ما زالت المرأة التي يتوقعونها.
أما أسلوب القيادة نفسه، فهنا يجب أن نكون أكثر إنصافا. ليست هناك قيادة نسائية واحدة ولا قيادة رجالية واحدة. فهناك امرأة شديدة الحسم، ورجل شديد الاحتواء، وهناك امرأة تعتمد المشاركة، ورجل يعتمد المركزية. القيادة في النهاية تتأثر بالشخصية والخبرة والثقافة وطبيعة المؤسسة والموقف. لكن بعض النساء قد يقدمن في قيادتهن مساحة أكبر للاستماع والحوار وبناء العلاقات واحتواء الخلافات، وهي أمور لا تقل أهمية عن سرعة القرار وتحقيق النتائج.
المشكلة إذن ليست في أن المرأة قد تقود بطريقة مختلفة، وإنما في أننا أحيانا لا نعترف إلا بشكل واحد للقيادة. اعتدنا أن نرى القوة في الصوت المرتفع، والقرار الفردي، والصرامة، والسيطرة، بينما قد تكون القوة الحقيقية في القدرة على إقناع الآخرين، وإدارة الاختلاف، وبناء الثقة، وتحويل الفريق من مجموعة أفراد إلى جماعة تعمل من أجل هدف واحد.
والأكثر إثارة للتأمل أن المرأة قد تواجه حكما مزدوجا حتى عندما تنجح. فإذا كانت متواضعة قيل إنها تفتقد الحضور القيادي، وإذا أظهرت ثقتها بنفسها قيل إنها مغرورة. وإذا كانت قريبة من العاملين معها قيل إنها عاطفية، وإذا وضعت حدودا واضحة قيل إنها متسلطة. فهل المشكلة إذن في سلوك المرأة، أم في التوقعات المتناقضة التي يضعها المجتمع حولها؟
ولعل الأخطر أن هذه المعايير لا تأتي دائما من الرجال. أحيانا تكون المرأة نفسها قاسية في حكمها على المرأة القيادية. قد نتسامح مع حدة الرجل ونفسرها بالقوة، بينما نفسر الحدة نفسها عند المرأة بأنها عصبية. وقد نعتبر طموح الرجل أمرا طبيعيا، بينما نتساءل لماذا تصر امرأة على الوصول إلى موقع أعلى. وهنا يصبح التغيير الحقيقي أعمق من مجرد زيادة عدد النساء في مواقع القيادة ، إنه يحتاج إلى تغيير الطريقة التي ننظر بها إلى القيادة نفسها.فالقيادة ليست نوعا ( جنسا ). القيادة مسؤولية.
وليست في أن يكون القائد هو الأكثر صرامة، وإنما في أن يكون الأكثر قدرة على تحمل المسؤولية عندما تكون القرارات صعبة. وليست في أن يخشاه الآخرون، وإنما في أن يثقوا به. وليست في أن يثبت أنه الأقوى، وإنما في أن يجعل من حوله أكثر قدرة وقوة.
لهذا ربما آن الأوان لأن نتوقف عن وضع المرأة والرجل في سباق لإثبات من هو الأفضل في القيادة. فالمؤسسات والمجتمعات لا تحتاج إلى “رجل يقود” أو “امرأة تقود” بقدر ما تحتاج إلى قائد يعرف كيف يقود. قائد يرى الإنسان قبل المنصب، والهدف قبل الذات، والمسؤولية قبل الامتياز.
والمرأة التي تصل إلى موقع القيادة لا تحتاج إلى أن تصبح نسخة من الرجل حتى تحصل على الاعتراف. كما أن الرجل لا يحتاج إلى أن يتخلى عن إنسانيته حتى يكون قائدا ناجحا. ربما يكون المستقبل الحقيقي للقيادة هو أن نتحرر من هذه القوالب كلها، وأن نكتشف أن أفضل قيادة هي تلك التي تجمع بين الحسم والرحمة، وبين العقل والإنسان، وبين قوة القرار وقوة الاحتواء.
وفي النهاية، ربما لا يكون السؤال الحقيقي: هل تصلح المرأة للقيادة……بل: هل نعطي المرأة القيادية الفرصة نفسها التي نعطيها للرجل كي تخطئ وتتعلم وتنجح؟
لماذا نصف حزم الرجل بالقوة، بينما قد نصف حزم المرأة بالتسلط؟هل نبحث عن القائد الأكثر كفاءة، أم عن القائد الذي يشبه الصورة التي اعتدناها؟هل تستطيع المرأة أن تقود بطريقتها، أم ما زلنا نطالبها بأن تقود بالطريقة التي اعتدنا أن نراها؟ومتى يصبح المنصب هو الذي يحدد تقييمنا للشخص، وليس كون الشخص رجلا أو امرأة؟وربما السؤال الأهم: عندما تدخل المرأة إلى موقع القيادة، هل تتغير هي… أم أن المجتمع هو الذي يحتاج إلى أن يغير نظرته إليها؟
آ.د. جيهان رجب
أستاذ بجامعة عين شمس
عضو المجلس القومي للمرأة فرع القاهرة

