٦ أكتوبر ٢٠٢٦
ا.د جيهان رجب
حين نتحدث عن الحروب، غالبا ما نتذكر الجنود الذين حملوا السلاح، والضباط الذين قادوا المعارك، والشهداء الذين ارتوت الأرض بدمائهم. نتذكر العبور، والجنود فوق القناة، والعلم المصري وهو يرتفع من جديد. لكن وراء كل جندي كان هناك بيت ينتظر، ووراء كل أم كانت هناك أسرة تخشى خبر الغد، ووراء كل شهيد امرأة بدأت معركة أخرى لم تنته بانتهاء الحرب.
في تلك السنوات، كانت هناك أم تودع ابنها كل صباح ولا تعرف ماذا يحمل المساء. وزوجة تنظر إلى الباب مع كل صوت سيارة، وتعيش بين الأمل والخوف. وأخت تخفي قلقها عن أمها حتى لا
تزيد وجعها. وبنت صغيرة ربما لم تكن تفهم معنى الحرب، لكنها كانت تفهم أن أباها غائب، وأن أمها أصبحت أكثر صمتا، وأن أخبار الجبهة يمكن أن تغير شكل البيت في لحظة.كان الخوف حاضرا، لكنه لم يكن يعني الاستسلام.
كانت المرأة المصرية قد دخلت سنوات الحرب وهي تحمل في داخلها آثار نكسة يونيو 1967. لم تكن الهزيمة حدثا عسكريا بعيدا عن البيوت، وإنما كانت تجربة تركت الخوف والقلق والأسئلة في نفوس الأسر. ثم جاءت سنوات حرب الاستنزاف، بما حملته من انتظار وقلق واستنزاف نفسي واجتماعي، بينما كانت الدولة تعيد بناء قواتها وتستعد لمعركة التحرير. وقد امتدت حرب الاستنزاف لنحو ثلاث سنوات ونصف بعد 1967، وكانت جزءا من مرحلة الصمود وإعادة بناء القدرة العسكرية المصرية.
فالمرأة التي كانت تخاف على ابنها كانت في الوقت نفسه تعلمه أن الوطن ليس كلمة تقال، وإنما مسؤولية. والزوجة التي كانت تخشى على زوجها كانت تحاول أن تحافظ على تماسك البيت. والأم التي كانت تتابع الأخبار وتنتظر عودة ابنها كانت تحمل أبناءها الآخرين، وتواصل الحياة، وتتعامل مع الظروف الصعبة، وتخفي دموعها أحيانا حتى لا تنتقل مخاوفها إلى أطفالها.
ثم جاء يوم السادس من أكتوبر 1973.لم تكن لحظة العبور لحظة انتصار للجيش وحده، بل كانت لحظة تبدل في وجدان مجتمع عاش سنوات من الألم والانتظار. وبعد سنوات الصمود وحرب الاستنزاف، عبرت القوات المصرية قناة السويس وبدأت معركة أكتوبر التي أعادت للمصريين الثقة والقدرة على مواجهة آثار الهزيمة.
لكن النصر لم يكن يعني أن كل البيوت عادت إليها أفراحها.فقد خرج بعض الأبناء إلى الحرب ولم يعودوا. وهنا بدأت حكاية أخرى للمرأة المصرية: حكاية أم الشهيد، وزوجة الشهيد، وأخت الشهيد، وبنت الشهيد.أم الشهيد لم تفقد ابنا فقط؛ فقدت جزءا من حياتها. قد تستمر في إعداد الطعام، وترتيب البيت، ورعاية أبنائها، وتذهب إلى عملها، وتلتقي بالناس، وتبتسم أحيانا، لكن مكان ابنها ظل حاضرا في تفاصيل الحياة. كرسيه، صوته، ملابسه، ذكرياته، والأسئلة التي لا تجد لها إجابة.
أما زوجة الشهيد، فقد تجد نفسها فجأة أمام مسؤولية لم تخطط لها. زوج غاب، وأطفال يحتاجون إلى أب، وبيت يحتاج إلى من يديره، وحياة يجب أن تستمر. لم تكن معركتها قصيرة؛ فقد بدأت بعد انتهاء المعركة العسكرية.
كانت عليها أن تربي أبناءها، وأن تعمل إن احتاج الأمر، وأن تحافظ على تعليمهم، وأن تواجه لحظات ضعفهم، وأن تجيب عن سؤال الطفل الذي يقول: «بابا هيرجع إمتى؟»
وربما كان أصعب ما في هذه التجربة أن المرأة لم تكن تملك رفاهية الانهيار. كان عليها أن تحزن، ولكنها كانت مطالبة بأن تستمر.
وكانت أخت الشهيد تعيش نوعا آخر من الفقد. أخ غاب عن الأسرة، وذكريات الطفولة التي أصبحت فجأة جزءا من الماضي. أما بنت الشهيد، فقد تكبر وهي تحمل صورة لأب تعرفه من الحكايات والصور أكثر مما تعرفه من الحياة اليومية. ومع ذلك، يمكن أن تصبح تلك الصورة جزءا من تكوينها، وتتعلم من قصة أبيها معنى التضحية والمسؤولية والانتماء.
وهنا تظهر عظمة المرأة في زمن الحرب بصورة مختلفة.فهي لم تكن دائما في الخنادق، لكنها كانت خلف كل خندق بيتا يجب أن يستمر.ولم تكن دائما تحمل السلاح، لكنها كانت تحمل أبناءها، وتحمل مسؤولية الأسرة، وتحمل القلق، وتحمل غياب من تحب. كما شاركت نساء مصريات بالفعل في دعم المجهود الحربي والعمل التطوعي وفي المستشفيات وتقديم المساعدات وجمع التبرعات خلال فترتي 1967 و1973، وكان للنساء في سيناء أيضا أدوار موثقة في مساندة القوات المصرية خلال حروب الاستنزاف وحتى نصر أكتوبر.
ولذلك، عندما نتحدث اليوم عن نصر أكتوبر، ربما يجب ألا نسأل فقط : ماذا فعل الجندي على الجبهة؟
بل نسأل أيضا: ماذا فعلت المرأة في البيت؟ ماذا فعلت الأم وهي تسمع صفارات الإنذار؟ ماذا فعلت الزوجة وهي تنتظر خبرا من الجبهة؟ ماذا فعلت المرأة التي فقدت زوجها أو ابنها ثم عادت في اليوم التالي لتعد لأطفالها طعامهم وتذهب بهم إلى مدارسهم؟
وماذا فعلت تلك المرأة بعد سنوات الحرب، عندما لم يعد المطلوب منها أن تنتظر فقط، وإنما أن تبني جيلا جديدا؟
لقد كان من أعمق أدوار المرأة المصرية بعد الحرب أنها لم تسمح للفقد بأن يتحول إلى هزيمة داخل الأسرة. أخذت أبناءها وكملت الطريق. ربت، وعلمت، وعملت، وصبرت، وحافظت على البيت، وحملت ذاكرة من رحلوا إلى الأجيال التالية.
ولذلك فإن «أم الشهيد» ليست فقط أما فقدت ابنا، و«زوجة الشهيد» ليست فقط زوجة فقدت شريكا للحياة. إنهما جزء من ذاكرة وطنية واجتماعية أوسع؛ ذاكرة تقول إن للحروب ثمنا لا يظهر كله في كتب التاريخ أو خرائط المعارك.
هناك ثمن تدفعه الأسرة. وثمن تدفعه الأم. وثمن تدفعه الزوجة. وثمن قد تحمله ابنة الشهيد معها طوال حياتها.
وعندما نتحدث عن قيم أكتوبر، فإن الشجاعة لا تعني فقط مواجهة العدو في ميدان القتال. هناك شجاعة أخرى هادئة : شجاعة المرأة التي تواجه الغياب، وتقاوم الانكسار، وتحافظ على أسرتها، وتربي أبناءها، وتحول ألمها إلى قدرة على الاستمرار.
ربما لهذا السبب لا ينبغي أن تكون ذاكرة أكتوبر ذاكرة معركة فقط. إنها أيضا ذاكرة أمهات انتظرن، وزوجات صبرن، وأطفال كبروا دون آباء، وأسر تحملت الفقد، ونساء قررن أن تستمر الحياة مهما كان الثمن.
فإذا كان الجندي قد عبر القناة، فإن المرأة عبرت سنوات الخوف معه، ثم واصلت العبور بعد انتهاء الحرب.
وهذه ربما واحدة من أهم الحكايات التي يجب أن تصل إلى شباب اليوم: أن النصر لا تصنعه لحظة واحدة، وأن وراء كل انتصار مجتمعا يتحمل، وأسرا تصبر، وأمهات يربين، ونساء يحملن ذاكرة الوطن من جيل إلى جيل.
ا.د جيهان رجب
عضوة المجلس القومي للمرأة فرع القاهرة


